البخلاء - الجاحظ - الصفحة ٢٦٤ - الأصمعي و جلساؤه
يقصّر دونه العيال و قد قال الحسن: «ما عال أحد قط عن قصده» .
و قيل لشيخ من أهل البصرة: «مالك لا ينمى لك مال» ؟قال: «لأني اتخذت العيال قبل المال، و اتخذ الناس المال قبل العيال» ، و قد رأيت من تقدم عياله ماله فجبره الإصلاح، و رفده الاقتصاد، و أعانه حسن التدبير، و لم أر لشهواتي تدبيرا، و لا لشرهي صبرا. و قال إياس بن معاوية [١] : «إن الرجل يكون عليه ألف فيصلح فتصلح له الغلة، و يكون عليه ألفان فينفق ألفين فيصلح فتصلح له الغلة، فيكون عليه ألفان فينفق ثلاثة آلاف فيبيع العقار في فضل النفقة [٢] » . و ذكر الحديث عن أبي لينة [٣] ، قال: كنت أرى زيادا و هو أمير يمرّ بنا على بغلة في عنقها حبل من ليف مدرج [٤] على عنقها» . و كان سلم بن قتيبة يركب بغلة وحده، و معه أربعة آلاف مرابطة [٥] . و رآه الفضل بن عيسى على حمار، و هو أمير، فقال: «قعود نبي و بذلة جبار [٦] » ، و لو شاء أبو سيّارة [٧] أن يدفع بالعرب على جمل مهريّ [٨] ، أو فرس عتيق لفعل، و لكنه أراد هدي الصالحين. و حمل عمر على برذون فهملج [٩] تحته، فنزل عنه، فقال لأصحابه: «جنّبوني هذا الشيطان» . ثم قال لأصحابه:
«لا تطلبوا العز بغير ما أعزّكم اللّه به» .
[١] هو ابو وائلة إياس بن معاوية المزني، قاضي البصرة و قد ضرب به المثل، فقيل: اذكى من إياس.
[٢] أي ان الانفاق اذا تجاوز المدخول يؤدي إلى بيع العقار.
[٣] هو ابو لينة النضر بن ابي مريم، كوفي ضعيف الحديث.
[٤] مدرج: مضيق.
[٥] مرابطة: اي مع اربعة آلاف من الخيل.
[٦] البذلة: الاعتدال، عدم التزين.
[٧] ابو سيّارة: احد حكام العرب في الجاهلية.
[٨] مهري: نسبة الى مهرة، و هو حي في العرب ينسب إليه الخيل الأصيل.
[٩] البرذون: الفرس العظيم الخلقة و الأعضاء و هملج: سار سيرا حسنا.