البخلاء - الجاحظ - الصفحة ٥٨ - الحرّاق و القداحة و العرجون
فضل ما بين الحالين» . فقالت: «أرجو أن يكون اللّه قد جمع لك بهذا السعال مصالح كثيرة، لما فتح اللّه لك بهذه النخالة التي فيها صلاح بدنك، و صلاح معاشك» .
و ما أشك أن تلك المشورة كانت من التوفيق» .
قال القوم: «صدقت. مثل هذا يكتسب بالرأي، و لا يكون إلا سماويا» .
الحرّاق و القداحة و العرجون:
ثم أقبل عليهم شيخ آخر فقال: «كنا نلقي من الحرّاق [١]
و القدّاحة [٢] جهدا؛ لأن الحجارة كانت، إذا انكسرت حروفها و استدارت، كلّت، و لم تقدح قدح خير، و أصلدت فلم تور [٣] . و ربما أعجلنا المطر و الوكف [٤] . و قد كان الحجر أيضا يأخذ من حروف القداحة، حتى يدعها كالقوس، فكنت أشتري المرقشيثا [٥] بالغلاء و القداحة الغليظة بالثمن الموجع. و كان علينا أيضا في صنعة الحرّاق، و في معالجة العطبة [٦] مئونة، و له ريح كريهة. و الحرّاق لا يجيء من الخرق المصبوغة، و لا من الخرق الوسخة، و لا من الكتان، و لا من الخلقان [٧] . فكنا نشتريه بأغلى الثمن. فتذاكرنا منذ أيام أهل البدو
[١] الحرّاق: ما تقع فيه النار.
[٢] القداحة: الحجر الذي يستعمل لقدح النار.
[٣] أي لم يخرج ناره.
[٤] الوكف: سال قليلا. و الوكف ايضا هو سقف البيت.
[٥] المرقشيثا: ما يشبه الحجر الذي يقدح عليه النار.
[٦] العطبة: قطعة من القطن.
[٧] الخلقان: من الثياب الممزقة خرقا.