البخلاء - الجاحظ - الصفحة ٢٦١ - الأصمعي و جلساؤه
بأصوات ملتفّة على الباب، و إذا صاحبي ينتفي و يعتذر، و إذا الجيران قد اجتمعوا إليه، و قالوا: ما هذا الثلط [١] الذي يسقط من جناحك، بعد أن كنا لا نرى إلا شيئا كالبعر من يبس الكعك. و هذا ثلط يعبّر عن كل غضّ. و لو لا أنك انتجعت [٢] على بعض من تستر و توارى لأظهرته. و قد قال الأول:
السّتر دون الفاحشات و لا # يلقاك دون الخير من ستر
و لو لا أن هذا طلبة السلطان لما توارى. فلسنا نأمن من أن يجرّ على الحيّ بليّة، و لست تبالي إذا حسنت حالك في عاجل أيامك الام يفضي بك الحال، و ما تلقى عشيرتك. فأمّا أن تخرجه إلينا، و إما أن تخرجه عنا» .
قال عبد النور: فقلت: «هذه و اللّه القيافة، و لا قيافة بني مدلج [٣] . إنا للّه!خرجت من الجنة إلى النار» . و قلت: «هذا وعيد و قد أعذر من أنذر» .
فلم أظن أن اللؤم يبلغ ما رأيت من هؤلاء، و لا ظننت أن الكرم يبلغ ما رأيت من أولئك [٤] .
الأصمعي و جلساؤه
شهدت الأصمعي يوما، و أقبل على جلسائه يسألهم عن عيشهم، و عمّا يأكلون و يشربون. فأقبل على الذي عن يمينه، فقال: «أبا فلان ما إدامك» ؟قال: «اللحم» ، قال: «أ كل يوم لحم» ؟قال: «نعم» ، قال: «و فيه الصفراء البيضاء و الحمراء و الكدراء و الحامضة و الحلوة و المرّة» ؟قال: «نعم» . قال: «بئس العيش!هذا ليس عيش آل
[١] الثلط: السلح الرقيق.
[٢] انتجعت: اي طلبت الكلاء، و هنا انتفعت به.
[٣] القيافة: تتبع الأثر. بنو مدلج: قبيلة من كنانة.
[٤] المراد بنو عبد القيس.