البخلاء - الجاحظ - الصفحة ١١٨ - قصة الكنديّ
عليهم. حتى إذا استوثق منهم [١] ، أعجلهم و حزق [٢] بهم، حتى يتقوه ببيع بعض الدار، أو باسترهان الجميع، ليربح، مع الذهاب بالأصل، السلامة، مع طول مقامه، من الكراء. و ربما جعله بيعا في الظاهر، و رهنا في الباطن، فحينئذ يقتضيهم دون المهلة، و يدّعيها قبل الوقت.
و ربما بلغ من استضعافه و استثقاله لأداء الكراء، أن يدّعي أن له شقيصا [٣] و أن له يدا ليصير خصما من الخصوم، و منازعا غير غاصب.
و ربما أخذهم و معه امرأة يفجر بها، فيجعل استئجار البيوت و تصفّح المنازل، علة لدخولها و المقام ساعة فيها. فإذا استقر في المنزل، قضى حاجته منها، و ردّ المفتاح. و ربما اكترى المنزل و فيه مرمّة، فاشترى بعض ما يصلحها، ثم يتوخّى عاملا جيد الكسوة، و جيرانا أصحاب آنية و آلة، فإذا شغل العامل و غفل، اشتمل على كل ما قدر عليه، و تركهم يتسكعون. و ربما استأجر الى جنب سجن لينقب أهله اليه، و إلى جنب صرّاف لينقب عليه، طلبا لطول المهلة و الستر، و لطول المدة و الأمن.
و ربما جنى الساكن ما يدعو إلى هدم دار المسكن، بأن يقتل قتيلا أو يجرح شريفا، فيأتي السلطان الدار (و أربابها إما غيّب و إما أيتام و إما ضعفاء) فلا يصنع دون أن يسوّيها بالأرض.
و بعد فالدّور ملقاة [٤] ، و أربابها منكوبون و ملقّون. و هم أشد الناس اغترارا بالناس، و أبعدهم غاية من سلامة الصدور. و ذلك أن من دفع داره و نقضها و ساجها [٥] و أبوابها، مع حديدها و ذهب سقوفها الى مجهول
[١] أي نال ثقتهم، أو نالوا ثقته.
[٢] حزق بهم: سيطر عليهم بحيلة.
[٣] شقيصا: نصيبا معلوما.
[٤] ملقاة: معرضة للسرقة و الخراب.
[٥] ساجها: السّاج: شجر عظيم طويل. و هنا يقصد اخشاب الدور.