البخلاء - الجاحظ - الصفحة ٩٨ - قصة الحارثي
و لا يتناول إلا ما بين يديه، و لا يلاحظ ما بين غيره، و لا يتشهّى الغرائب، و لا يمتحن الإخوان بالأمور الثمينة، و لا يهتك أستار الناس بأن يتشهّى ما عسى ألا يكون موجودا.
و كيف تصلح الدنيا، و كيف يطيب العيش، مع من إذا رأى جزوريّة، التقط الأكباد و الأسنمة، و إذا عاين بقريّة، استولى على العراق و القطنة، و إن أتوا بجنب شواء، اكتسح كل شيء عليه. لا يرحم ذا سن لضعفه، و لا يرقّ على حدث لحدّة شهوته، و لا ينظر للعيال، و لا يبالي كيف دارت بهم الحال؛ و إن كان لا بد من ذلك، فمع من لا يجعل نصيبه في مالي أكثر من نصيبي.
و أشد من كل ما وصفنا، و أخبث من كل ما عددنا، أن الطبّاخ، ربما أتى باللون الطريف، و ربما قدّم الشيء الغريب، و العادة في مثل ذلك اللون أن يكون لطيف الشخص، صغير الحجم، و ليس كالطفشيلية [١] ، و لا كالهريسة [٢] ، و لا كالفجلية، و لا كالكرنبية [٣] ، و ربما عجّل عليه، قدّمه حارا ممتنعا، و ربما كان من جوهر بطيء الفتور. و أصحابي في سهولة ازدراد [٤] الحار عليهم، في طباع النعام، و أنا في شدّة الحار عليّ، في طباع السباع. فإن انتظرت إلى أن يمكن أتوا على آخره، و إن بدرت مخافة الفوت [٥] ، و أردت أن أشاركهم في بعضه، لم آمن ضرره. و الحار ربما قتل، و ربما أعقم، و ربما أبال الدم.
ثم قال: هذا عليّ الأسواري، أكل مع عيسى بن سليمان بن علي، فوضعت قدّامهم سمكة عجيبة، فائقة السمن، فجلط بطنها جلطة،
[١] الطفشيلية: نوع من المرق.
[٢] الهريسة: نوع من المأكولات تحوي القمح و اللحم.
[٣] الفجلية و الكرنبية: نسبة الى الفجل و الكرنب.
[٤] ازدراد: ابتلاع.
[٥] مخافة الفوت: اسرعت للمشاركة مخافة فقدان الطعام.