البخلاء - الجاحظ - الصفحة ٢٣٣ - رد ابن التوأم على أبي العاص الثقفي
و لقما [١] رحبا فاحكم بابك، ثم أدم إصفاقه [٢] ، بل أدم إغلاقه، فهو أولى بك.
بل إن قدرت على مصمت [٣] لا حيلة فيه فذلك أشبه بحزمك. و لو جعلت الباب مبهما و القفل مصمتا لتسوّروا عليك من فوقك، و لو رفعت سمكه الى العيّوق [٤] لنقبوا عليك من تحتك. قال أبو الدرداء: «نعم صومعة المؤمن بيته» . قال ابن سيرين: «العزلة عبادة» .
و حلاوة حديثهم تدعو إلى الاستكثار منهم، و تدعو إلى إحضار غرائب شهواتهم. فمن ذلك قول بعضهم لبعض أصحابه: «أكل رخلة [٥] ، و شرب مشعلا [٦] ، ثم تجشّأ [٧] واحدة لو أن عليها رحا [٨]
لطحنت» . و من ذلك قول الآخر، حين دخل على قوم و هم يشربون، و عندهم قيان، فقالوا: «أقترح أيّ صوت شئت» ؟قال: «أقترح نشيش [٩] مقلي» . و من ذلك قول المديني: «من تصبّح بسبع موزات، و بقدح من لبن الأوارك تجشأ بخور الكعبة [١٠] » . و من ذلك قولهم لبعض هؤلاء، و قدّامهم خبيص [١١] : «أيما أطيب، هذا أو الفالوذج أو
[١] و لقما: نهجا، طريقا واسعا.
[٢] اصفاقه: إغلاقه.
[٣] المصمت: الباب او القفل لا يفتحه إلا صاحبه.
[٤] العيّوق: نجم احمر مضيء في طرف المجرّة الأيمن.
[٥] الرّخلة: الأنثى من اولاد الضأن.
[٦] المشعل: شيء من الجلود تتخذه اهل البادية ليعملوا فيه النبيذ.
[٧] تجشأ: لم نجد تفسيرا لها. و لعلها تساعد على الطحن لشدتها.
[٨] رحا: و رحى: حجر الطاحون.
[٩] النشيش: صوت غليان القدر و المقلى.
[١٠] لبن الأوارك: النياق التي تأكل شجر الأوارك: و الأرك: شجرة طويلة خضراء كثيرة الورق. و تجشأ بخور الكعبة: اي انها تطيب من رائحة الجشا.
[١١] الخبيص: نوع من الحلواء مصنوعة من التمر و السمن.