البخلاء - الجاحظ - الصفحة ١٢٧ - قصة محمد بن أبي المؤمل
تنقضي أيام الفاكهة و أنت على مثل ابتداء حالك و على أول مجاهدتك لشهوتك. و متى لم تعدّ الشهوة فتنة و الهوى عدوّا، اغتررت لهما و ضعفت عنهما، و ائتمنتهما على نفسك، و هما أحضر عدوّ و شرّ دخيل. فاضمنوا لي النزوة [١] الأولى، أضمن لكم تمام الصبر و عاقبة اليسر، و ثبات العزّ في قلوبكم و الغني في أعقابكم و دوام تعظيم الناس لكم. فإنه لو لم يكن من منفعة الغنى إلا أنك لا تزال معظّما عند من لم ينل منك قط درهما، لكان الفضل في ذلك بيّنا و الربح ظاهرا. و لو يكن من بركة الثروة و من منفعة اليسر، إلا أن رب المال الكثير لو أتصل بملك كبير، و في جلسائه من هو أوجب حرمة، و أقدم صحبة و أصدق محبة، و أمتع إمتاعا، و أكثر فائدة و صوابا، إلا أنه خفيف الحال قليل ذات اليد، ثم أراد ذلك الملك أن يقسم مالا أو يوزّع بينهم طرفا [٢] ، لجعل حظ الموسر [٣] أكثر، و إن كان في كل شيء دون أصحابه، و حظ المخفّ أقل، و إن كان في كل شيء فوق أصحابه.
قد ذكرنا رسالة سهل بن هارون [٤] ، و مذهب الحزامي، و قصص الكندي، و أحاديث الحارثي، و احتجاجاتهم، و طرائف بخلهم، و بدائع حيلهم.
قصة محمد بن أبي المؤمل:
قلت لمحمد بن أبي المؤمل:
أراك تطعم الطعام و تتخذه، و تنفق المال و تجود به. و ليس بين قلة
[١] النزوة: القصر في الأشياء-أي الرغبة الضعيفة و هنا يريد القضاء عليها و قهرها.
[٢] الطّرف: الشيء الجديد.
[٣] الموسر: الغني.
[٤] وردت الرسالة في مقدمة الكتاب.