البخلاء - الجاحظ - الصفحة ١٣٢ - قصة محمد بن أبي المؤمل
لقد كان رفع يده و لم ينتظر غيره. و لذلك قال أبو الحارث جمين، حين رآه لا يمس: «هذا المدفوع عنه» . و لو لا أنه على ذلك شاهد الناس، لما قال ما قال. و لقد كانوا يتحامون بيضة البقيلة [١] ، و يدعها كل واحد منهم لصاحبه حتى أن القصعة [٢] لقد كانت ترفع البيض خاصة لعلى حاله و أنت اليوم إذا أردت أن تمتع عينك بنظرة واحدة منها، و من بيض السّلاءة [٣] لم تقدر على ذلك. لا جرم لقد كان تركه ناس كثير، ما بهم إلا أن يكونوا شركاء من ساءت رعته.
و كان يقول: الآدام [٤] أعداء للخبز. و أعداها له المالح. فلو لا أن اللّه انتقم منه و أعان عليه بطلب صاحبه الماء و إكثاره منه، لظننت أنه سيأتي على الحرث و النسل. و كان مع هذا يقول: لو شرب الناس الماء على الطعام ما اتخموا، و أقلهم عليه شربا أكثرهم تخما [٥] . و ذلك أن الرجل لا يعرف مقدار ما أكل حتى ينال من الماء. و ربما كان شبعان و هو لا يدري. فإذا ازداد على مقدار الحاجة بشم [٦] . و إذا نال من الماء شيئا بعد شيء، عرّفه ذلك مقدار الحاجات، فلم يزد إلا بقدر المصلحة.
و الأطباء يعلمون أن ما أقول حق، و لكنهم يعلمون أنهم لو أخذوا بهذا الرأي لتعطّلوا، و لذهب المكسب. و ما حاجة الناس الى المعالجين إذا صحّت أبدانهم؟و في قول جميع الناس أن ماء دجلة أمرأ [٧] من الفرات و أن ماء مهران أمرأ من ماء نهر بلخ، و في قول العرب: «هذا ماء نمير
[١] بيضة البقيلة: قطعة من اللحم توضع عليها بيضة مع بعض الخضار.
[٢] القصعة: الصحفة من خشب تتخذ للأكل.
[٣] السلاءة: السمن الخالص او نحوه. طائر أغبر اللون طويل الرجلين.
[٤] الآدام: ما يجعل مع الخبز فيطيبه.
[٥] تخما: الكثرة في الأكل.
[٦] بشم: أتخم.
[٧] أمرأ: سريع الهضم. اهنأ