البخلاء - الجاحظ - الصفحة ١٦٤ - سليمان الكثريّ
سليمان الكثريّ
قال المكي: كان لأبي عم يقال له سليمان الكثري سمّي بذلك لكثرة ماله. و كان يقرّبني و أنا صبي إلى أن بلغت. و لم يهب لي مع ذلك التقريب شيئا قط. و كان قد جاوز في ذلك حد البخلاء. فدخلت عليه يوما، و إذا قدّامه قطع دارصيني لا تسوى قيراطا؛ فلما نال حاجته منها، مددت يدي لآخذ قطعة، فلما نظر إليّ قبضت يدي، فقال: «لا تنقبض و انبسط و استرسل و ليحسن ظنك، فإن حالك عندي على ما تحب، فخذه كله، فهو لك بزوبره [١] ، و بحذافيره، و هو لك جميعا؛ نفسي بذلك سخيّة. و اللّه يعلم أني مسرور بما وصل إليك من الخير» . فتركته بين يده، و قمت من عنده و جعلته وجهي، كما أنا، إلى العراق. فما رأيته و ما رآني حتى مات.
و قال المكيّ: سمعني سليمان، و أنا أنشد شعر امرئ القيس: [٢]
لنا غنم نسوقها غزار # كأنّ قرون جلّتها العصيّ [٣]
فتملأ بيتنا أقطا و سمنا # و حسبك من غنى شبع و ريّ [٤]
قال: لو كان ذكر مع هذا شيئا من. الكسوة لكان جيدا.
و هو الذي قال ليحيى بن خالد، حين نقب في أبي قبيس، و زاد في داره:
عمدت الى شيخ الجبال فزعزعته و ثلمت فيه.
و قال: حين عوتب في قلة الضحك و شدة القطوب: إن الذي يمنعني من الضحك أن الإنسان أقرب ما يكون من البذل إذا ضحك و طابت نفسه.
[١] بزوبره: بكل ما فيه. بحذافيره.
[٢] هو الشاعر امرؤ القيس بن حجر الكندي، يمني الأصل كان والده ملكا على بني أسد.
[٣] لنا غنم كثيرة العدد كأن قرون المسنّ منها يشبه العصي او القضبان.
[٤] أقطا: ما يؤخذ من اللبن المخيض ثم يترك حتى يمصل شبع و ريّ: إنها تشبع و تبعد العطش. و العبارة تدل على الغنى و الوفرة.