البخلاء - الجاحظ - الصفحة ٤٥ - الأكل مع الجماعة تكلّف
فقال لي: كالمغضب: «ما في الأرض أعجب منك، لو كنت أخبرتني أنك تريده للحم أو لشحم لوجدتني أسرع إليك به، إنما خشيتك تريده للباقلّي [١] ، و حديد المقلى يحترق إذا كان الذي يقلى فيه ليس بدسم.
و كيف لا أعيرك إذا أردت الطّباهج، و المقلى، بعد الرّد من الطباهج، أحسن حالا منه، و هو في البيت؟!.
طلاق بسبب غسل الخوان:
و قال أبو إسحاق إبراهيم بن سيّار النظام: دعانا جار لنا، فأطعمنا تمرا و سمن سلاء [٢] ، و نحن على خوان [٣] ليس عليه إلا ما ذكرت، و الخراساني معنا يأكل، فرأيته يقطر السمن على الخوان حتى أكثر من ذلك؛ فقلت لرجل إلى جنبي: ما لأبي فلان يضيع سمن القوم، و يسيء المؤاكلة، و يغرف فوق الحق؟قال: و ما عرفت علّته؟قلت: لا و اللّه. قال: الخوان خوانه، فهو يريد أن يدسمه، ليكون كالدّبغ له.
و لقد طلّق امرأته، و هي أمّ أولاده، لأنه رآها غسلت له خوانا له بماء حارّ، فقال لها: هلاّ مسحته.
الأكل مع الجماعة تكلّف:
و قال أبو نوّاس: كان معنا في السفينة و نحن نريد بغداد، رجل من أهل خراسان، و كان من عقلائهم و فقهائهم. فكان يأكل وحده. فقلت له: «لم تأكل وحدك» ؟قال: ليس «عليّ» في هذا الوضع مسألة؛ إنما
[١] الباقلي: الفول.
[٢] سلاء: ما صفي من السمن بعد الطبخ.
[٣] الخوان: ما يوضع عليه الطعام وقت الأكل.