البخلاء - الجاحظ - الصفحة ٥٥ - مريم الصنّاع
مريم الصنّاع
:
فأقبل عليهم شيخ فقال: «و هل شعرتم بموت مريم الصنّاع؟فإنها كانت من ذوات الاقتصاد، و صاحبة إصلاح» . قالوا: «فحدثنا عنها» .
قال: نوادرها كثيرة و حديثها طويل، و لكني أخبركم عن واحدة فيها كفاية» . قالوا: «و ما هي؟قال:
زوّجت ابنتها، و هي بنت اثنتي عشرة سنة، فحلّتها الذهب و الفضّة، و كستها المروي [١] و الوشي [٢] و القز [٣] و الخز [٤] ، و علّقت المعصفر [٥] و دقت الطيب، و عظّمت أمرها في عين الختن [٦] ، و رفعت من قدرها عند الأحماء [٧] . فقال لها زوجها: أنّى لك هذا يا مريم؟قالت:
هو من عند اللّه. قال: دعي عنك، و هاتي التفسير، و اللّه ما كنت ذات مال قديما، و لا ورثته حديثا، و ما أنت بخائنة في نفسك، و لا في مال بعلك [٨] ، إلا أن تكوني قد وقعت على كنز. و كيف دار الأمر، فقد أسقطت عني مئونة [٩] ، و كفيتني هذه النائبة [١٠] . قالت: اعلم أني منذ يوم ولدتها، إلى أن زوّجتها، كنت أرفع من دقيق كل عجنة حفنة؛
[١] المروي: ثياب منسوبة الى بلد العراق على شط الفرات.
[٢] الوشي: الثياب المزركشة المنقوشة.
[٣] القز: الثياب الحريرية، و القز هو الحرير.
[٤] الخز: الحرير ايضا.
[٥] المعصفر: اي ما صبغ بالعصفر من الثياب. و العصفر صبغ اصفر اللون.
[٦] الختن: زوج الابنة و من كان من قبله مثل الأب و الأخ.
[٧] الاحماء: المفرد حمو: و هو أبو زوج المرأة، و ابو امرأة الرجل.
[٨] بعلك: زوجك.
[٩] مئونة: كلفة و مشقة.
[١٠] النائبة: المصيبة.