البخلاء - الجاحظ - الصفحة ٥٤ - الحمار و الماء الأجاج
العذب علينا مئونة [١] . فكنّا نمزج منه للحمار فاعتلّ منه، و انتفض علينا من أجله؛ فصرنا، بعد ذلك، نسقيه العذب صرفا. و كنت أنا و النعجة [٢]
كثيرا ما نغتسل بالعذب مخافة أن يعتري جلودنا منه مثل ما اعترى جوف الحمار. فكان ذلك الماء العذب الصافي يذهب باطلا. ثم انفتح لي فيه باب من الإصلاح، فعمدت الى ذلك المتوضأ، فجعلت في ناحية منه حفرة، و صهرجتها [٣] ، و ملّستها، حتى صارت كأنها صخرة منقورة، و صوّبت اليها المسيل، فنحن الآن إذا اغتسلنا صار الماء اليها صافيا، لم يخالطه شيء. و لو لا التعبّد لكان جلد المتغوّط [٤] أحقّ بالنّتن، من جلد الجنب [٥] ، فمقادير طيب الجلود واحدة، و الماء على حاله. و الحمار أيضا لا تقزّز [٦] له من ماء الجنابة، و ليس علينا حرج في سقيه منه. و ما علينا أن كتابا حرّمه، و لا سنّة نهت عنه، فربحنا هذه منذ أيام. و أسقطنا مئونة عن النفس و المال.
قال القوم: هذا بتوفيق اللّه، و منّه.
[١] مئونة: مشقة، عذاب.
[٢] النعجة: «كنت أنا و النعجة» دلالة واضحة على روح الدعابة عند الجاحظ. و هو يرمي من خلال ذلك إلى تحقير صاحب ماء البئر الأجاج و النيل منه، و جعله بمنزلة الحيوان.
و يستبعد قصده امرأته، لأن سياق الاقصوصة هنا لا يجعل لزوجته مكانا او علاقة في ما يروى. اضف الى ذلك ان المرأة في العصر العباسي كانت تتمتع بحرية و بمكانة اجتماعيتين؛ الأمر الذي ينفي إهانة المرأة في هذا المقام...
[٣] صهرجتها: طليتها بالصاروج؛ اي بالكلس.
[٤] المتغوّط القاضي حاجته.
[٥] الجنب: الذي اصابته الجنابة؛ اي النجاسة.
[٦] تقزّز: تجنّبه و ابتعد عنه.