البخلاء - الجاحظ - الصفحة ١٣٤ - قصة محمد بن أبي المؤمل
حازم بن خزيمة، و هرثمة بن أعين [١] و كان عنده فيه من الاحتيال ما لا يعرفه عمرو بن العاص، و لا المغيرة بن شعبة [٢] ؛ و كان كثيرا ما يمسك الخلال بيده، ليؤنس الداخل عليه من غدائه؛ فاذا دخل عليه الصديق له، و قد عزم على إطعام الزائر الزائرين قبله، و ضاق صدره بالثالث، و إن كان قد دعاه و طلب إليه، أراد أن يحتال له، أو الرابع إن ابتلي كلّ واحد منهما بصاحبه، فيقول عند أول دخوله و خلع نعله و هو رافع صوته بالتنويه و بالتشنيع: «هات يا مبشّر لفلان شيئا يطعم منه، هات له شيئا ينال منه، هات له شيئا» ، اتّكالا على خجله أو غضبه أو أنفته، و طمعا في أن يقول: «قد فعلت» .
فان أخطأ ذلك الشقيّ و ضعف قلبه و حصر، و قال: «قد فعلت» ، و علم أنه قد أحرز و حصّله و ألقاه وراء ظهره، لم يرض أيضا بذلك حتى يقول: «بأي شيء تغدّيت» ؟فلا بد له من أن يكذب، أو ينتحل المعاريض [٣] فإذا استوثق منه رباطا، و تركه لا يستطيع أن يترمرم [٤] ، لم يرض بذلك حتى يقول في حديث له: «كنا عند فلان، فدخل عليه فلان فدعاه الى غدائه، فامتنع. ثم بدا له، فقال: في طعامكم بقيلة أنتم تجيدونها، ثم تناوله» : فلا يزال يزيد في وثاقه، و في سد الأبواب عليه، و في منعة البدوات حتى إذا بلغ الغاية قال: «يا مبشر أما إذ تغدّى فلان و اكتفى، فهات لنا شيئا نعبث به» .
فإذا وضعوا الطعام، أقبل على أشدّهم حياء، أو على أشدّهم أكلا، فسأله عن حديث حسن، أو عن خبر طويل. و لا يسأله إلا عن حديث يحتاج فيه الى الإشارة باليد أو الرأس كلّ ذلك ليشغله. فإذا هم أكلوا
[١] هو احد القادة الشجعان في العصر العباسي.
[٢] هو المغيرة بن شعبة الثقفي، احد الصحابة و القواد.
[٣] أي أنه يأتي بأسباب لا صحة لها.
[٤] يترمرم: يظهر حركة.