البخلاء - الجاحظ - الصفحة ٢٦٨ - الأصمعي و جلساؤه
أعرّضه للفساد، و أن أعينك على القطيعة، فلا تلمني على أن كنت عندي واحدا من أهل عصرك. فإن كنت عند نفسك فوقهم و بعيدا من مذهبهم، فلا تكلّف الناس علم الغيب فتظلمهم.
ثم قال: و ما زالت العارية مؤدّاة، و الوديعة محفوظة، فلما قالوا:
«أحق الخيل بالركض المعار، بعد أن كان يقال: «أحق الخيل بالصون المعار» ، و بعد أن قيل لبعضهم: «أرفق به» ، فقال: «إنه عارية» ، و قال الآخر: فأقتل، فسدت العارية، و استدّ هذا الباب [١] » .
و لما قالوا:
شمّر قميصك، و استعدّ لنائل # و احكك جبينك للقضاء بثوم [٢]
و اخفض جناحك إن مشيت تخشّعا # حتى تصيب وديعة ليتيم
و حين أكلت الأمانات الأمناء و الأوصياء، و رتع فيها المعدّلون و الصرّافون [٣] ، وجب حفظها و دفنها، و كان أكل الأرض لها خيرا من أكل الخئون الفاجر و اللئيم الغادر. و هذا مع قول أكثم بن صيفي في ذلك الدهر:
«لو سئلت العارية اين تذهبين» ، قالت: «أكسب أهلي ذمّا» [٤] .
و أنا اليوم أنهى عن العارية و الوديعة، و عن القرض و الفرض. و أكره أن يخالف قولي فعلي. أما القرض فلما أنبأتك [٥] ، و أما الفرض فليس يسعه إلا بيت المال. و لو وهبت لك درهما واحدا، لفتحت على مالي بابا لا تسدّه الجبال
[١] استدّ: اقفل.
[٢] اي حك جبينك بثوم.
[٣] المعدّلون: اي العادلون. و الصرّافون: الرجال الذين يعملون بالدراهم أو الذين يحفظون الودائع.
[٤] يستحقون الذم.
[٥] انبأتك: اعلمتك.