البخلاء - الجاحظ - الصفحة ١٣٥ - قصة محمد بن أبي المؤمل
صدرا [١] ، أطهر الفتور و التشاغل و التنقّر كالشبعان الممتلئ [٢] . و هو في ذلك غير رافع يده و لا قاطع أكله. إنما هو النّتف بعد النّتف، و تعليق اليد في خلل ذلك. فلا بدّ من أن ينقبض بعضهم و يرفع يده، ربما شمل ذلك جماعتهم. فإذا علم أنه قد أحرزهم و احتال لهم، حتى يقلعهم من مواضعهم من حول الخوان، [٣] و يعيدهم الى مواضعهم من مجالسهم، ابتدأ الأكل، فأكل أكل الجائع المقرور [٤] و قال: «إنما الأكل تارات و الشرب تارات» .
و كان كثيرا ما يقول لأصحابه إذا بكروا عليه: لم لا نشرب أقداحا على الريق؟فإنها تقتل الديدان، و تحفش [٥] لأنفسنا قليلا، فإنها تأتي على جميع الفضول، و تشهّي الطعام بعد ساعة. و سكّره أطيب من سكر [٦]
الكظّة [٧] . و الشارب على الملأة بلاء [٨] ، و هو بعد ذلك دليل على أنك نبيذي خالص. و من لم يشرب على الريق فهو نكس [٩] في الفتوة و دعي [١٠] في أصحاب النبيذ. و إنما يخاف على كبده من سورة الشراب على الريق، من بعد عهده باللحم. و هذه الصبحة [١١] تغسل عنكم الأوضار [١٢] ، و تنفي التّخم، و ليس دواء الخمار إلا الشرب بالكبار.
[١] صدرا: مقدارا من الطعام.
[٢] أظهر أنه قد شبع و التنقر: هو اللهو بالطعام للدلالة على عدم المبالاة.
[٣] حتى يبعدهم عن مكان الطعام، و من حول وعاء الأكل.
[٤] المقرور: الجائع.
[٥] تحفش: تريح.
[٦] سكر: الشرب على الريق.
[٧] الكظة: التخمة، أو الامتلاء من الطعام.
[٨] و الشراب بعد الامتلاء من الطعام ضرر.
[٩] نكس: يخسر، أو هو مقصر.
[١٠] دعيّ: هزيل، لا يقوى على النجدة.
[١١] يعني الشراب على الريق.
[١٢] الأوضار: السموم.