البخلاء - الجاحظ - الصفحة ٥٩ - معاذة العنبرية
و الأعراب، و قدحهم النار بالمرخ [١] و العفار [٢] ، فزعم لنا صديقنا الثوريّ، و هو، ما علمت، أحد المرشدين: أن عراجين الأعذاق [٣]
تنوب عن ذلك أجمع، و علّمني كيف تعالج. و نحن نؤتي بها من أرضنا بلا كلفة. فالخادم اليوم، لا تقدح و لا توري إلا بالعرجون» .
قال القوم: «قد مرت بنا اليوم فوائد كثيرة، و لهذا ما قال الأول:
«مذاكرة الرجال تلقح الألباب» .
معاذة العنبرية:
ثم اندفع شيخ منهم فقال: «لم أر في وضع الأمور مواضعها و في توفيتها غاية حقوقها، كمعاذة العنبرية» . قالوا: «و ما شأن معاذة هذه» ؟ قال: أهدى إليها العام ابن عمّ لها أضحية [٤] . فرأيتها كئيبة حزينة مفكّرة مطرقة، فقلت لها: مالك يا معّاذة؟قالت أنا امرأة أرملة و ليس لي قيّم [٥] ، و لا عهد لي بتدبير لحم الأضاحي. و قد ذهب الذين كانوا يدبّرونه و يقومون بحقّه. و قد خفت أن يضيع بعض هذه الشاة، و لست أعرف وضع جميع أجزائها في أماكنها. و قد علمت أن اللّه لم يخلق فيها، و لا في غيرها شيئا لا منفعة فيه. و لكن المرء يعجز لا محالة. و لست أخاف من تضييع القليل إلا أنه يجر تضييع الكثير:
[١] المرخ: نوع من الشجر سريع الاشتغال.
[٢] العفار: شجر يتخذ منه الزند، اي ما تقدح به النار.
[٣] عراجين الأعذاق: عنا قيد شجر النخل.
[٤] أضحيّة: ما يذبح في عيد الاضحى من الشياه.
[٥] قيم: مسئول مدبّر.