البخلاء - الجاحظ - الصفحة ١١٥ - قصة الكنديّ
نعم ثم يتخذون المطابخ في العلالي على ظهور السطوح، و إن كان في أرض الدار فضل و في صحنها متسع مع ما في ذلك من الخطار بالأنفس [١] ، و التغرير بالأموال، و تعرض الحرم ليلة الحريق لأهل الفساد، و هجومهم مع ذلك على سر مكتوم، و خبيء مستور. من ضيف مستخفّ، و رب دار متوار، و من شراب مكروه، و من كتاب متهم، و من مال جم أريد دفنه، فأعجل الحريق أهله عن ذلك فيه، و من حالات كثيرة، و أمور لا يحب الناس أن يعرفوا بها ثم لا ينصبّون التنانير [٢] ، و لا يمكّنون للقدور، إلا على متن السطح، حيث ليس بينها و بين القصب و الخشب إلا الطين الرقيق و الشيء لا يقي. هذا مع خفّة المئونة في إحكامها و أمن القلوب من المتالف بسببها. فإن كنتم تقدمون على ذلك منا و منكم و أنتم ذاكرون، فهذا عجب. و إن كنتم لم تحفلوا بما عليكم في أموالنا، و نسيتم ما عليكم في أموالكم، فهذا أعجب.
ثم إن كثيرا منكم يدافع بالكراء، و يماطل بالأداء. حتى إذا اجتمعت أشهر عليه، فرّ و خلّى أربابها جياعا، يتندّمون على ما كان من حسن تقاضيهم و إحسانهم. فكان جزاؤهم و شكرهم اقتطاع حقوقهم، و الذهاب بأقواتهم. و يسكنها الساكن حين يسكنها، و قد كسحناها و نظّفناها، لتحسن في عين المستأجر، و ليرغب فيها الناظر. فإذا خرج، ترك فيها مزبلة و خرابا، لا تصلحه إلا النفقة الموجعة، ثم لا يدع مترسا [٣] إلا سرقه، و لا سلّما إلا حمله، و لا نقضا إلا أخذه، و لا برادة إلا مضى بها معه، و يدع دقّ الثوب، و الدقّ في الهاون و المنحاز [٤] ، في
[١] الخطار بالأنفس: التعرّض للمصاعب.
[٢] التنانير: ما يشبه المواقد. يصنع من الطين و يجوّف داخله، و يوضع فيه الحطب لشواء الخبز.
[٣] مترسا: ما يوضع خلف الباب لدعمه و تقويته.
[٤] المنحاز: مدقة كالهاون.