البخلاء - الجاحظ - الصفحة ٥٧ - ماء النخالة
رأيت صاحب سقط [١] قد اعتقد [٢] مائة جريب [٣] في أرض العرب؛ و لربما رأيته يبيع الفلفل بقيراط، و الحمّص بقيراط فأعلم أنه لم يربح في ذلك الفلفل إلا الحبّة و الحبّتين، من خشب الفلفل، فلم يزل يجمع من الصغار الكبار، حتى اجتمع ما اشترى به مائة جريب» .
ماء النخالة
:
ثم قال: «اشتكيت أياما صدري، من سعال كان أصابني. فأمرني قوم بالفانيذ [٤] السكري، و أشار عليّ آخرون بالخزيرة [٥] تتخذ من النشاستج [٦] و السكر، و دهن اللوز، و أشباه ذلك. فاستثقلت المئونة، و كرهت الكلفة، و رجوت العافية. فبينا أنا أدافع الأيام، إذ قال لي بعض الموفقين: «عليك بماء النخالة، فأحسسه [٧] حارا» . فحسوت فإذا هو طيّب جدا، و إذا هو يعصم [٨] جدا فما جعت و لا اشتهيت الغداة في ذلك اليوم الى الظهر. ثم ما فرغت من غدائي و غسل يدي حتى قاربت العصر. فلما قرب وقت غدائي من وقت عشائي، طويت العشاء و عرفت قصدي» .
فقلت للعجوز: «لم لا تطبخين لعيالنا في كل غداة نخالة؟فإن ماءها جلاء للصدر وقوتها غذاء و عصمة، ثم تجففين، بعد، النخالة، فتعود كما كانت، فتبيعينه إذا اجتمع بمثل الثمن الأول، و نكون قد ربحنا
[١] سقط: الشيء الخسيس.
[٢] اعتقد: جمع.
[٣] جريب: مكيال، و مقدار معلوم من الأرض.
[٤] الفانيذ: نوع من الحلواء (فارسي معرب) .
[٥] الخزيرة: ضرب من الحلواء.
[٦] النشاستج: النشاء. (فارسي معرب) .
[٧] أحسسه: اشربه.
[٨] يعصم: يمنع من الجوع.