البخلاء - الجاحظ - الصفحة ١٥٣ - طرائف أبي قطبة
ليكتري [١] رجلا واحدا فقط، يخرج ما فيها، و يصبّه في الطريق، فيجترفه السيل، و يؤديه إلى القناة. و كان بين موضع بئره و الصبّ قدر مائتي ذراع، فكان لمكان زيادة درهمين يحتمل الانتظار شهرا أو شهرين.
و إن هو جرى في الطريق، و أذي به الناس.
و قال: و نظر يوما إلى الكسّاحين [٢] ، و هو معنا جالس في رجال من قريش، و هم يخرجون ما في بالوعته، و يرمون به في الطريق، و سيل المثاعب [٣] يحتمله، فقال: أ ليس البطّ و الجداء و الدجاج و الفراخ و الدرّاج [٤] و خبز الشعير و الصحناء [٥] و الكرّاث [٦] و الجواف [٧] جميعا تصير إلى ما ترون؟فلم يغالي بشيء يصير هو و الرخيص في معنى واحد؟.
قال الخليل: و سمعته يقول: إياكم و الفساء في ثيابكم التي تخرجون فيها، و في لحفكم التي تنامون فيها، فإن الفساء يدرّ القمل. إني و اللّه ما أقول إلا بعلم. ثم قال: علمتم إن الصوت يدبغ؟قلنا: و كيف صار الصوت يدبغ؟قال: الفسوة هي الضرطة بلا صوت، و إنما تخرجان جميعا من قارورة واحدة، فكيف تكون واحدة طيبة و أخرى منتنة؟فهذا الذى يدلّكم أن الصوت هو الذي يدبغها.
قال: و هم ثلاثة إخوة: أبو قطبة و الطيل و باني، من ولد عتّاب بن أسيد. واحد منهم كان يحجّ عن حمزة، و يقول: «استشهد قبل أن
[١] يكتري: يستأجر.
[٢] الكساحين: الذين يكنسون البيت، و ينقون البئر.
[٣] المثاعب: مجرى الماء.
[٤] الدرّاج: ضرب من الطيور.
[٥] الصحناء: ادام يؤخذ من صغار السمك.
[٦] الكرّاث: بقل خبيث الرائحة، منه ما يشبه البصل.
[٧] الجواف: ضرب من السمك الرديء.