البخلاء - الجاحظ - الصفحة ١٩٤ - طرائف شتى
و كان رجل يغشى طعام الجوهريّ، و كان يتحرّى وقته و لا يخطئ.
فإذا دخل، و القوم يأكلون و حين وضع الخوان، قال: «لعن اللّه القدرية [١] ، من كان يستطيع أن يصرفني عن أكل هذا الطعام، و قد كان في اللوح المحفوظ إني سآكله» ؟فلما أكثر من ذلك، قال له رياح:
«تعال بالعشيّ أو بالغداة فإن وجدت شيئا فالعن القدريّة و العن آباءهم و أمهاتهم» [٢] .
و جاء غلام إلى خالد بن صفوان [٣] بطبق خوخ؛ إمّا أن يكون هدية، و إما أن غلامه جاء به من البستان؛ فلما وضعه بين يديه قال:
«لو لا أني أعلم أنك أكلت منه لأطعمتك واحدة» .
و قال رمضان: كنت مع شيخ أهوازي في جعفرية [٤] ، و كنت في الذّنب و كان في الصدر. فلما جاء وقت الغداء، أخرج من سلة له دجاجة و فرخا واحدا مبرّدا، و أقبل بأكل و يتحدث و لا يعرّض عليّ.
و ليس في السفينة غيري و غيره. فرآني أنظر اليه مرة، و إلى ما بين يديه مرة.
فتوهم أني أشتهيه و استبطئه، فقال لي: «لم تحدّق النظر؟من كان عنده أكل مثلي، و من لم يكن عنده نظر مثلك» . قال: ثم نظر إليّ و أنا أنظر إليه، فقال: «يا هناه أنا رجل حسن الأكل، لا آكل إلا طيّب الطعام
[١] القدرية: مذهب فكري يرى أن الانسان قادر على فعل ما يريد. طائفة تنكر القدر.
[٢] هنا يقول: انه لا شأن للقدرية حينما تتعمد المجيء وقت الطعام فتعال في غير أوقات الطعام، فإن وجدته فالعن القدرية و آباءها.
[٣] خالد بن صفوان: هو خالد بن صفوان بن عبد اللّه التميمي المنقري. ولد و نشأ بالبصرة، من فصحاء العرب المشهورين، مات نحو سنة ١١٥ هـ.
[٤] أهوازي: نسبة الى الأهواز، كور بين البصرة و فارس. و الجعفرية: السفينة و لعلها منسوبة الى الجعفر، و هو النهر و تكاد ان تكون سفينة نهرية صغيرة.