البخلاء - الجاحظ - الصفحة ١٧٣ - اسماعيل بن غزوان
قلت: «إني لم أكن أكلّمك حتى ولّيت بها» قال: «كنت لهذا جئت، فلما صارت المخدّة في يدي نسيت ما جئت به. و النبيذ، ما علمت، و اللّه يذهب بالحفظ أجمع» .
و حدثني الحزامي و المكيّ و العروضيّ، قالوا: سمعنا إسماعيل يقول:
أ و ليس قد أجمعوا على أن البخلاء في الجملة أعقل من الأسخياء في الجملة. ها نحن أولاء عندك جماعة فينا من يزعم الناس أنه سخيّ.
و فينا من يزعم الناس أنه بخيل. فانظر أيّ الفريقين أعقل؟ها أنا ذا و سهل بن هارون، و خاقان بن صبيح [١] ، و جعفر بن سعيد، و الحزاميّ، و العروضي، و أبو يعقوب الخريمي [٢] . فهل معك إلا أبو إسحاق [٣] ؟.
و حدّثني المكّي، قال: قلت لإسماعيل مرّة: «لم أر أحدا قطّ أنفق على الناس من ماله، فلمّا احتاج إليهم آسوه» [٤] . قال: «لو كان ما يصنعون للّه رضى، و للحقّ موافقا، لما جمع اللّه لهم الغدر و اللؤم من أقطار الأرض. و لو كان هذا الإنفاق في حقه، لما ابتلاهم اللّه جلّ ذكره من جميع خلقه» .
حدّثني تمام بن أبي نعيم، قال: كان لنا جار، و كان له عرس.
فجعل طعامه كله فالوذق [٥] فقيل له: إن المئونة تعظم. قال: «احتمل ثقل الغرم بتعجيل الراحة. لعن اللّه النساء، ما أشك أن من أطاعهن شرّ منهن» .
و حديث سمعناه على وجه الدهر. زعموا أن رجلا قد بلغ في البخل
[١] ورد ذكرهما في المقدمة.
[٢] هو ابو يعقوب الأعور.
[٣] ابراهيم بن السيّار النظام، احد كبار المعتزلة.
[٤] آسوه: عاملوه بالمثل.
[٥] فالوذق: حلواء تؤخذ من الحنطة.