البخلاء - الجاحظ - الصفحة ١٧١ - قصة ابن العقدي
قال: فنثروا عليها لبكة من دبس مقدار نصف أسيكرة، فوقعت ليلتئذ في فمي قطعة، و كنت إلى جنبه، فسمع صوتها حين مضغتها، فضرب يده على جنبي ثم قال: «أجرش [١] يا أبا كعب أجرش» . قلت:
« ويلك أما تتقي اللّه!كيف أجرش جزأ لا يتجزّأ» ؟
قصة ابن العقدي
كان ابن العقدي ربما استزار أصحابه الى البستان، و كنت لا أظنه ممّن يحتمل قلبه ذلك على حال. فسألت ذات يوم بعض زوّاره فقلت:
«احك لي أمركم» . قال: «و تستر عليّ» ؟قلت: «نعم ما دمت بالبصرة» . قال: «يشتري لنا أرزّا بقشره و يحمله معه، ليس معه شيء ممّا خلق اللّه إلا ذلك الأرز. فإذا صرنا إلى أرضه، كلّف أكاره أن يجشّه في مجشّة [٢] له، ثم ذرّاه [٣] ، ثم غربله. ثم جشّ الواش [٤] منه. فإذا فرغ من الشراء و الحمل، ثم من الجشّ، ثم من التذرية، ثم من الإدارة و الغربلة، ثم من جشّ الواش، ثم من تذريته، ثم إدارته و غربلته، كلّف الأكّار أن يطحنه على ثوره و في رحاه [٥] . فإذا طحنه كلّفه أن يغلي له الماء، و أن يحتطب له، ثم يكلّفه العجن، لأنه بالماء الحارّ أكثر نزلا.
ثم كلّف الأكّار أن يخبزه. و قبل ذلك ما قد كلّفهم أن ينصبوا له الشصوص [٦] للسمك، و يسكروا الدرياجة [٧] على صغار السمك لا
[١] أجرش: اقطع إطحن.
[٢] مجشّة: مدقة، كالهاون.
[٣] ذراه: اخرج منه قشوره، غربله.
[٤] الواش: ما يخرج من الأرز عند الدق.
[٥] رحاه: الرحى: حجر الطاحون.
[٦] الشصوص: مفردها شص: حديده، أو صنارة يصطاد بوساطتها السمك.
[٧] الدرياجة: مكان في الماء يخصّص لصيد الاسماك.