البخلاء - الجاحظ - الصفحة ١٢٨ - قصة محمد بن أبي المؤمل
الخبز و كثرته كثير ربح. و الناس يبخلون من قلّ عدد خبزه، و رأوا أرض خوانه. و على أني أرى جماجم من يأكل معك أكثر من عدد خبزك. و أنت لو لم تتكلّف، و لم تحمل على مالك بإجادته و التكثير منه، ثم أكلت وحدك، لم يلمك الناس، و لم يكترثوا لذلك منك، و لم يقضوا عليك بالبخل و لا بالسخاء، و عشت سليما موفورا، و كنت كواحد من عرض الناس [١] . و أنت لو لم تنفق الحرائب [٢] و تبذل المصون [٣] ، إلا و أنت راغب في الذكر و الشكر، و إلا لتحرز الأجر، فقد صرنا لقلة عدد خبزك من بين الأشياء، نرضى لك الغنيمة بالإياب، و من غنم الحمد و الشكر، بالسلامة من الذم و اللوم. فزد في عدد خبزك شيئا، فإنّ بتلك الزيادة القليلة ينقلب ذلك اللوم شكرا و ذلك الذم حمدا. أعلمت أنك لست تخرج من هذا الأمر بعد الكلفة العظيمة سالما، لا لك و لا عليك؟فانظر في الأمر رحمك اللّه! قال: يا أبا عثمان، أنت تخطئ، و خطأ العاقل أبدا يكون عظيما، و إن كان في العذر قليلا. لأنه إذا أخطأ أخطأ بنيقة و إحكام [٤] . فعلى قدر التفكّر و التكلّف يبعد من الرشاد [٥] و يذهب عن سبيل الصواب.
و ما أشك أنك قد نصحت بمبلغ الرأي منك. و لكن خف ما خوّفتك، فإنه مخوف. بل الذي أصنع أدلّ على سخاء النفس بالمأكول، و أدل على الاحتيال ليبالغوا؛ لأن الخبز إذا كثر على الموائد، ورّث ذلك النفس صدودا [٦] ، و كل شيء من المأكول و غير المأكول، إذا ملأ العين، ملأ
[١] أي كنت كواحد من وسط الناس.
[٢] الحرائب: المال الذي يقوّم الرجل به امره.
[٣] تبذل المصون: تنفق كل ما هو هام و نفيس.
[٤] بنيقة و إحكام: بلباقة و حسن تصرّف.
[٥] الرشاد: العقل، الفطنة.
[٦] صدودا: الامتناع عن طلب الطعام.