البخلاء - الجاحظ - الصفحة ١٣١ - قصة محمد بن أبي المؤمل
فلما حضر وقت الغداء صوّت بغلامه [١] و كان ضخما جهير [٢] الصوت، صاحب تقعير [٣] و تفخيم و تشديق [٤] و همز [٥] و جزم [٦] : يا مبشّر هات من الخبز تمام عدد الرءوس.
قلت: و من فرض لهم هذه الفريضة؟و من جزم عليهم هذا الجزم؟ أ رأيت أن لم يشبع أحدهم رغيفه أ ليس لا بد له من أن يعوّل على رغيف صاحبه، أو يتنحّى و عليه بقيّة، و يعلّق يده منتظرا للعادة فقد عاد الأمر و بطل ما تناظرنا فيه.
قال: لا أعلم إلا ترك الطعام البتّة؛ أهون علينا من هذه الخصومة.
قلت: هذا ما لا شك فيه، و قد عملت عندي بالصواب، و أخذت لنفسك بالثقة، إن وفيت بهذا القول.
و كان كثيرا ما يقول: يا غلام هات شيئا من قليّة [٧] و أقلّ منها و أعد لنا ماء باردا و أكثر منه. و كان يقول: قد تغير كل شيء من أمر الدنيا، و حال عن أمره و تبدل، حتى المؤاكلة. قاتل اللّه رجالا كنا نؤاكلهم، ما رأيت قصعة قط رفعت من بين أيديهم إلا و فيها فضل. و كانوا يعلمون أن إحضار الجدي إنما هو شيء من آيين [٨] الموائد الرفيعة، و إنما جعل كالعاقبة و الخاتمة، و كالعلامة لليسر و للفراغ، و أنه لم يحضر للتمزيق و التخريب، و أن أهله لو أرادوا به السوء لقدّموه قبل كل شيء لتقع الحدّة به. بل ما يأكل منه إذا جيء به إلا العابث، و إلا الذي لو لم يره
[١] صوّت بغلامه: ناداه بصوت عال.
[٢] جهير الصوت: صياحه.
[٣] تقعير: إرسال الصوت من اعماق الحلق.
[٤] التشديق: توسيع الفم ليخرج الصوت ضخما.
[٥] الهمز: التشديد لتبنيه من يصفي إليه.
[٦] الجزم: القطع. تسكين كلمات محددة.
[٧] قليّة: ما قلي فجعل مع الطبيخ ليطيبه.
[٨] آيين: طبيعة، عادة.