البخلاء - الجاحظ - الصفحة ١٥١ - طرائف العنبري
و ما اختيار شراء الرءوس يوم السبت، فإن القصّابين يذبحون يوم الجمعة أكثر، فتكثر الرءوس يوم السبت على قدر للفضل فيما يذبحون، و لأن العوام و التجار و الصنّاع لا يقرمون [١] إلى أكل الرءوس يوم السبت، مع قرب عهدهم بأكل اللحم يوم الجمعة، و لأن عامّتهم قد بقيت عنده فضلة، فهي تمنعه من الشهوة. و لأن الناس لا يكادون يجمعون على خوان واحد بين الرءوس و اللحم.
و أما اختلاط التدبير عليه في فرق ما بين الشتاء و الصيف، فوجه ذلك أن العلل كانت تتصوّر له، و تعرض له الدواعي على قدر قرمه و حركة شهوته، صيفا وافق ذلك أم شتاء. فإن اللحم في الصيف أرخص، و الرءوس تابعة للحم، و لأن الناس في الشتاء لها آكل، و هم لها في القيظ [٢] أترك. فكان يختار الرخص على حسن الموقع. فإذا قويت دواعيها في الشتاء، قال: «رأس واحد شتوي كرأسين صيفيين، لأن المعلوفة غير الراعية، و ما أكل الكسب في الحبس موثقا، غير ما أكل الحشيش في الصحراء مطلقا» . و كان على ثقة أنه سيأتي عليه في الشتاء مع صحته و بدنه، و في شك من استبقائه في الصيف، لنقصان شهوات الناس للرءوس في الصيف، فكان يخاف جريرة تلك البقية و جناية تلك الفضلة. و كان يقول إن أكلتها بعد الشبع لم آمن العطب [٣] و إن تركتها لهم في الصيف، و لم يعرفوا العلة، طلبوا ذلك مني في الشتاء!.
طرائف العنبري:
حدثني المكّي [٤] قال: كنت يوما عند العنبريّ، إذا جاءت جارية
[١] يقرمون: يرغبون.
[٢] القيظ: الحر الشديد.
[٣] العطب: الهلاك، الضيق.
[٤] احد اصحاب الجاحظ و هو محمد المكي.