البخلاء - الجاحظ - الصفحة ١٣٠ - قصة محمد بن أبي المؤمل
التلطيخ و التغمير [١] . و الجردقة الغمرة و الرقاقة المتلطخة، لا أقدر أن أنظر إليها، و أستحيي أيضا من إعادتها. فيذهب ذلك الفضل باطلا، و اللّه لا يحب الباطل.
قلت: فإن ناسا يأمرون بمسحه، و يجعلون الثريدة منه. فلو أخذت بزيّهم و سلكت سبيلهم، أتى ذلك على ما تريد و نريد.
قال: أ فلست أعلم كيف الثريدة، و من أي شيء هي؟و كيف أمنع نفسي التوهّم و أحول بينها و بين التذكّر؟و لعل القوم أن يعرفوا ذلك على طول الأيام، فيكون هذا قبيحا.
قلت: فتأمر به للعيال؛ فيقوم الحواري [٢] المتلطخ مقام الخشكار [٣]
النظيف. و على أن المسح و الدلك يأتي على ما تعلق به من الدسم.
قال: عيالي يرحمك اللّه عيالان: واحد أعظمه عن هذا و أرفعه عنه، و آخر لم يبلغ عندي أن يترف بالحواريّ.
قلت: فاجعل إذا جميع خبزك الخشكار؛ فإن فضل ما بينه و بين الحواريّ في الحسن و الطيب، لا يقوم بفضل ما بين الحمد و الذم.
قال: فههنا رأي هو أعدل الأمور و أقصدها، و هو أنا نحضر هذه الزيادة من الخبز على طبق، و يكون قريبا حيث تناله اليد، فلا يحتاج أحد مع قربه منه إلى أن يدعو به، و يكون قربه من يده كثرة على مائدته.
قلت: فالمانع من طلبه هو المانع من تحويله. فأطعني و اخرج هذه الزيادة من مالك كيف شئت. و اعلم أن هذه المقايسة و طول هذه المذاكرة، أضر علينا مما نهيتك عنه و أردتك على خلافه.
[١] التغمير: غمس الرغيف بالسمن و الدهن.
[٢] الحواريّ: الدقيق الأبيض.
[٣] الخشكار: الدقيق الذي لم يغربل.