البخلاء - الجاحظ - الصفحة ١١٢ - قصة الكنديّ
قصة الكنديّ:
حدثني عمرو بن نهيوي، قال:
كان الكندي لا يزال يقول للساكن، و ربما قال للجار: إن في الدار امرأة بها حمل، و الوحمى [١] ربما أسقطت من ريح الطيّبة. فإذا طبختم، فردّوا شهوتها، و لو بغرفة أو لعقة، فان النفس يردّها اليسير. فإن لم تفعل ذلك، بعد إعلامي إياك، فكفارتك [٢] أن أسقطت غرّة: عبد أو أمة [٣] ، ألزمت ذلك نفسك أم أبيت» . قال: فكان ربما يوافي الى منزله من قصاع السكان [٤] و الجيران ما يكفيه الأيام، و كان أكثرهم يفطن و يتغافل.
و كان الكندي يقول لعياله: أنتم أحسن حالا من أرباب هذه الضياع.
إنما لكل بيت منهم لون واحد، و عندكم ألوان.
قال: و كنت أتغدى عنده يوما، إذ دخل عليه جار له. و كان الجار لي صديقا. فلم يعرض عليه الغداء. فاستحييت أنا منه فقلت: لو أصبت معنا مما نأكل. قال: قد، و اللّه، فعلت. قال الكندي: ما بعد اللّه شيء. قال: فكتفه و اللّه، يا أبا عثمان، كتفا لا يستطيع معه قبضا و لا بسطا، و تركه و لو أكل لشهد عليه بالكفر، و لكان عنده قد جعل مع اللّه شيئا.
قال عمرو: بينا أنا، ذات يوم، عنده إذ سمع صوت انقلاب جرّة من الدار الأخرى، فصاح: أي قصاف!فقال، مجيبة له: بئر و حياتك! فكانت الجارية في الذكاء، أكثر منه في الاستقصاء.
[١] الوحمى: المرأة الحامل التي تتوحم.
[٢] كفارتك: أي انك اسقطت ذنبا.
[٣] غرة عبد أو أمة: الغرة: العبد او الأمة. و هي ايضا البياض في وجه الفرس او مقدمته
[٤] قصاع السكان: ممّن لزم بيته.