البخلاء - الجاحظ - الصفحة ٢٣ - توطئة
و أنه لا يضيف اللّه إلى نفسه القبيح، و لا يمن على خلقه بالنقص.
و كيف لا يكون موقعه من سرور النفس عظيما، و من مصلحة الطباع كبيرا، و هو شيء في أصل الطباع و في أساس التركيب؟لأن الضحك أول خير يظهر من الصبي، و به تطيب نفسه، و عليه ينبت شحمه، و يكثر دمه الذي هو علّة سروره، و مادة قوّته.
و لفضل خصال الضحك عند العرب، تسمّي أولادها «بالضحّاك» و «ببسام» و «بطلق» و «بطليق» .
و قد ضحك النبي، صلّى اللّه عليه و سلّم، و مزح، و ضحك الصالحون و مزحوا، و إذا مدحوا قالوا: «هو ضحوك السنّ، و بسّام العشيّات [١] ، و هشّ الى الضيف، و ذو أريحية [٢] و اهتزاز، و إذا ذموا قالوا: «هو عبوس، و هو كالح [٣] ، و هو قطوب، و هم شتم المحيا، و هو مكفهر أبدا، و هو كريه، و مقبّض الوجه، و حامض الوجه، و كأنما وجهه بالخجل منضوج» !.
و للضحك موضع و له مقدار، و للمزح موضع و له مقدار، متى جازهما أحد، و قصّر عنهما أحد، صار الفاضل خطلا [٤] ، و التقصير نقصا.
فالناس لم يعيبوا الضحك إلا بقدر، و لم يعيبوا المزح إلا بقدر، و متى أريد بالمزح النفع، و بالضحك الشيء الذي له جعل الضحك، صار المزح جدا، و الضحك وقارا.
و هذا كتاب لا أغرّك منه، و لا أستر عنك عيبه، لأنه لا يجوز أن
[١] بسّام العشيّات: كناية عن كرمه و استقباله الضيوف.
[٢] أريحية: من الطبائع التي تجعل الانسان يفرح أو يرتاح إلى الاعمال الكريمة.
[٣] كالح: شاحب، اسود، اي مفرط في العبوس.
[٤] خطلا: فاسدا، و أحمق.