البخلاء - الجاحظ - الصفحة ٨٨ - قصة أبي محمد الخزامي
و أسمج [١] الجهل بالحكيم. ما ظننت أن إهمال النفس، و سوء السياسة، بلغ بك ما أرى. قلت: و أيّ شيء أنكرت منا مذ اليوم، و ما كان هذا قولك فينا بالأمس؟فقال: لبسك هذا الكساء قبل أوانه. قلت: قد حدث من البرد بمقداره. و لو كان هذا البرد الحادث في تموز و آب، لكان إبّانا [٢] لهذا الكساء. قال: إن كان ذلك كذلك، فاجعل، بدل هذه المبطّنة، جبّة محشوّة، فإنها تقوم هذا المقام، و تكون قد خرجت من الخطأ. فأما لبس الصوف اليوم، فهو غير جائز. قلت: و لم؟قال: لأن غبار آخر الصيف يتداخله و يسكن في خلله، فإذا أمطر الناس، و ندي الهواء و ابتلّ كل شيء، ابتلّ ذلك الغبار. و إنما الغبار تراب، إلا أنه لباب التراب. و هو مالح، و ينقبض عند ذلك عليه الكساء و يتكرّش، لأنه صوف، فتنضم أجزاؤه عليه. فيأكله أكل القادح [٣] ، و يعمل فيه عمل السوس، و لهو أسرع فيه من الأرضة [٤] في الجذوع النجرانية.
و لكن أخّر لبسه، حتى إذا مطر الناس، و سكن الغبار، و تلبّد التراب، و حط المطر ما كان في الهواء من الغبار، و غسله، و صفّاه، فألبسه حينئذ، على بركة اللّه.
و كان يقع إلى عياله بالكوفة، كل سنة مرة، فيشتري لهم من الحب مقدار طبيخهم، و قوت سنتهم. فإذا نظر الى حب هذا، و إلى حبّ هذا، و قام على سعره، اكتال من كل واحد منها كيلة معلومة، بالميزان، و اشترى أثقلها وزنا. و كان لا يختار على البلدي و الموصلي شيئا، إلا أن يتقارب السعر. و كان على كل حال يفرّ من الميساني، إلا أنّ يضطرّ اليه.
و يقول: هو ناعم ضعيف، و نار المعدة شيطان، فإنما ينبغي لنا أن نطعم
[١] أسمج: أثقل: اقبح.
[٢] إبّانا: موعدا، حينا، زمانا.
[٣] القادح: مرض أو سواد يقع في الشجر و الأسنان.
[٤] الأرضة: دويبة تقرض الاخشاب.