البخلاء - الجاحظ - الصفحة ١٩٠ - حديث جعفر عن أبي عيينة
و اللّه ما أدري أصادق هو أم كاذب. و هاهنا واحدة، و هي لكم دوني، و لا بدّ من أن أحتمل لكم، إذ لم تحتملوا لي: و اللّه ما مشيتم معه إلا و أنتم توجبون حقه و توجبون رفده [١] . لو كنت أوجب له مثل ما توجبون، لقد كنت أغنيته عنكم. و أنا لا أعرفه و لا يضربني بحق [٢] ، فهلمّوا نتوزع هذه الفضلة بيننا بالسويّة. هذا حسن ممّن احتمل حقا لا يجب عليه، في رضى من يجب ذلك عليه» .
فقاموا و لم يعودوا؛ فخرج إليه التاجر من حقه، و أيس [٣] مما قبله.
حديث جعفر عن أبي عيينة:
حدّثني جعفر ابن أخت و اصل، قال:
قلت لأبي عيينة [٤] : قد أحسن الذي سأل امرأته عن اللحم، فقالت أكله السنّور [٥] ، فوزن السنور، ثم قال: «هذا اللحم فأين السنّور» ؟ قال: «كأنك تعرّض بي» . قال؛ قلت: «إنك و اللّه أهل ذلك. شيخ قد قارب المائة، و غلته فاضلة [٦] ، و عياله قليل، و يعطي الأموال على مذاكرة العلم، و العلم لذّته و صناعته، ثم يرقى إلى جوف منزله. و أنت رجل لك في البستان، و رجل في أصحاب الفسيل [٧] ، و رجل في السوق،
[١] توجبون رفده: ترغبون او تلزمون الرفد: العطاء و المساعدة.
[٢] لا يمنعني عن مطالبته.
[٣] أيس ممّا قبله: يئس من كل رحمة من ناحيته.
[٤] أبو عينية: يبدو أنه من أصحاب الجاحظ.
[٥] السنور: الهرّ.
[٦] غلته فاضلة: خيراته و فيرة. أي له اموال تزيد على حاجته.
[٧] الفسيل: جمع فسيلة، و هي النخلة الصغيرة تقطع من الأم، أو تقلع من الأرض فتغرس. أي أنه يريد شراء هذه النخلات.