البخلاء - الجاحظ - الصفحة ٦٨ - أحمد بن خلف اليزيدي
البركة كثيرة الفوائد، و هي تنوب عن الغداء، و لها نفخة تغني عن العشاء. و كل شيء من الإحساء فهو يغني عن طلب النبيذ و شرب الماء.
و من تحسّى الحار عرق، و العرق ينفض [١] الجلد و يخرج ضرّ الجوف [٢] .
و هي تملأ النفس و تمنع من التشهّي. و هي أيضا تدفئ، فيقوم ذلك في أجوافهم مقام فحم الكانون من خارج. و حسو الحار يغني عن الوقود، و عن لبس الحشو. و الوقود يسوّد كل شيء و ينتّنه. و هو سريع في الهضم، و صاحبه بعرض حريق، و يذهب في ثمنه المال العظيم. و شرّ شيء فيه أن من تعوّده لم يدفئه شيء سواه. فعليك يا أبا عثمان بالمثلّثة، و اعلم أنها لا تكون إلا في منازل المشيخة، و أصحاب التجربة. فخذها من حكيم مجرّب و من ناصح مشفق.
و كان لا يفارق منازل إخوانه، و إخوانه مخاصيب متاريب [٣] ، أصحاب نفح [٤] و ترف، و كانوا يتحفونه [٥] و يدلّلونه، و يفكهّونه و يحكمونه، و لم يشكّوا أنه سيدعوهم مرّة، و أن يجعلوا بيته نزهة و نشوة فلما طال تغافله، و طالت مدافعته، و عرّضوا له بذلك فتغافل، و صرّحوا له. فلمّا امتنع قالوا: اجعلها دعوة ليس لها أخت. فلمّا بلغ منه و منهم المجهود، اتخذ لهم طعيما خفيفا، شهيا مليحا، لا ثمن له، و لا مئونة فيه. فلما أكلوا و غسلوا أيديهم أقبل عليهم فقال: أسألكم بالذي لا شيء أعظم منه، أنا الساعة أيسر و أغنى أو قبل أن تأكلوا طعامي؟ قالوا: ما نشكّ أنك، حين كنت و الطعام في ملكك، أغنى و أيسر. قال:
فأنا الساعة أقرب الى الفقر، أم تلك الساعة؟قالوا: بل أنت الساعة أقرب الى الفقر. قال: فمن يلومني على دعوة قوم قرّبوني من الفقر،
[١] نفيض: يزيل.
[٢] ضرّ الجوف: ما فيه من ضرر.
[٣] متاريب: كثير و المال.
[٤] اصحاب نفح: اصحاب ترف و عطاء.
[٥] يتحفونه: يهتمون به، و يهدون اليه.