البخلاء - الجاحظ - الصفحة ٦٩ - أحمد بن خلف اليزيدي
و باعدوني من الغنى، و كلما دعوتهم أكثر، كنت من الفقر أقرب و من الغنى أبعد؟!و في قياسه هذا أن من رأيه أن يهجر كل من استسقاه شربة ماء، أو تناول من حائطه تينة، و من خليط دابته عودا.
و مر بأصحاب الجداء، و ذلك في زمان التوليد، فأطعمه الزمان في الرّخص، و تحركت شهوته على قدر إمكان عنده. فبعث غلاما له، يقال له «ثقف» ، و هو معروف، ليشتري له جديا، فوقف غير بعيد. فلم يلبث أن رجع الغلام يحضر [١] ، و هو يشير بيده، و يومئ برأسه، أن:
اذهب و لا تقف. فلم يبرح. فلما دنا منه قال: ويلك!تهرّبني كأني مطلوب؟قال: هذا طرفة: الجدي بعشرة. أنت من ذي البابة [٢] ؟مرّ الآن، مرّ مرّ. فإذا غلامه يرى أن من المنكر أن يشتري جدي بعشرة دراهم، و الجدي بعشرة إنما ينكر عندنا بالبصرة، لكثرة الخير و رخص السعر. فأمّا في العساكر فإن أنكر ذلك منكر، فإنما ينكره من طريق رخصه و قلة ثمنه، لا لغير ذلك.
و لا تقولوا الآن: قد و اللّه أساء أبو عثمان إلى صديقه، بل ما تناوله بالسوء حتى بدأ بنفسه. و من كانت هذه صفته، و هذا مذهبه، فغير مأمون على جليسه. و أيّ الرجال المهذّب [٣] ؟هذا و اللّه الشنوع و التبوع، و البذاء و قلة الوفاء [٤] .
[١] يحضر: يرجع الى حيث كان.
[٢] انت من ذي البابة؛ اي ان هذا الأمر هل يصلح لك؟
[٣] إشارة إلى القصيدة الاعتذارية التي خاطب النابغة الذبياني بها الملك النعمان...
[٤] الشنوع و التبوع و البذاء و قلة الوفاء: صفات الرجل القبيح.