البخلاء - الجاحظ - الصفحة ٩٥ - قصة الحارثي
بالبخل على الطعام. فتكلم يوما، فما زال يدخل كلاما في كلام، حتى أدخل الاعتذار من ذلك في عرض كلامه. فكان مما احتجّ به، في شدة رؤية الأكيل عليه، و في نفوره منه، أن قال: نظر خالد المهزول في الجاهلية، يوما، إلى ناس يأكلون، و إلى إبل تجترّ، فقال لأصحابه:
أ تروني إذا أكلت بمثل هذه العين التي أرى بها الناس و الإبل؟قالوا:
نعم. فحلف بإلهه ألاّ يأكل بقلا، و أن مات هزلا. فكان يغتذي اللبن، و يصيب من الشراب. فأضمره ذلك و أيبسه. فلما دق جسمه، و اشتد هزاله، سمّي: المهزول.
ثم قال خالد: ها أنا ذا مبتلى بالمضغ، و محمول على تحريك اللحيين، و مضطر الى مناسبة البهائم، و محتمل ما في ذلك من السخف و العجز. ما بالي احتملته فيمن لي منه بدّ، و لي عنده مذهب. ليأكل كل امرئ في منزله، و في موضع أمنه و أنسه، و دون ستره و بابه.
هذا ما بلغنا عن خالد بن عبد اللّه القسري [١] و احتجاجه.
فأما خالد المهزول فهو أحد الخالدين، و هما سيّدا بني أسد، و فيه، و في خالد بن نضلة [٢] ، يقول الأسود بن يعفر:
و قبلك مات الخالدان كلاهما: # عميد بني حجوان، و ابن المضلّل
قصة الحارثي:
و قيل للحارثي بالأمس: و اللّه إنك لتصنع الطعام فتجيده، و تعظم
[١] خالد بن عبد اللّه القسري: كان أمير العراقين في عهد الخليفة الاموي هشام بن عبد الملك.
[٢] خالد بن نضلة: سيد بني أسد.