البخلاء - الجاحظ - الصفحة ١٢٥ - حديث إسماعيل بن غزوان
و النفج [١] أريحيّة [٢] ، و سوء نظر المرء لنفسه و لعقبه كرما. قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلّم: «أبدا بمن تعول [٣] » . و أنت تريد أن تغني عيال غيرك بإفقار عيالك، و تسعد الغريب بشقوة القريب، و تتفضل على من لا يعدل عنك، و من لو أعطيته أبدا لأخذ أبدا.
قد علمتم ما قال صاحبنا لأخي تغلب، فإنه قال: يا أخا تغلب إني و اللّه كنت أجري ما جرى هذا الغيل [٤] ، و أجرى و قد انقطع النيل [٥] . إني و اللّه لو أعطيتك، لما وصلت إليك، حتى أتجاوز من هو أحق بذلك منك. إني لو أمكنت الناس من مالي لنزعوا داري طوبة طوبة [٦] . إنه و اللّه ما بقي معي منه إلا ما منعته الناس. و لكني أقول:
و اللّه إني لو أمكنت الناس من نفسي لادّعوا رقّي [٧] ، بعد سلب نعمتي» .
قال اسماعيل: و سمعته يقول:
«عجبت لمن قلّت دراهمه كيف ينام. و لكن لا يستوي من لم ينم سرورا، و من لم ينم غمّا» [٨] . ثم قال: «قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلّم في وصيّة المرء يوم فقره و حاجته، و قبل أن يغرغر [٩] : «الثلث، و الثلث كثير» .
[١] النفج: الادعاء و الغرور.
[٢] الاريحية: صفة في الانسان يرتاح بها الى العطاء، خصوصا و الأفعال الحميدة عامة.
[٣] ابدأ بمن تعول: يقول رسول اللّه (ص ع) عليك ان تسعد من هم تحت رعايتك و مسئوليتك اولا فإسعاد العيال قبل إسعاد الآخرين.
[٤] الغيل: الماء الجاري على وجه الأرض.
[٥] النيل: ما يحصل عليه الانسان و يناله.
[٦] طوبة: الآجر. القرميد.
[٧] رقيّ: الرقّة: المال رقة العيش و رقة الجانب أيضا.
[٨] الغم: الحزن.
[٩] يغرغر: يجود بنفسه عند الموت.