البخلاء - الجاحظ - الصفحة ٢٦٣ - الأصمعي و جلساؤه
ثم يقول للذي يليه: «أبا فلان ما أدمك» ؟فيقول: «الشبارقات [١]
و الأخبصة و الفالوذجات [٢] » . قال: «طعام العجم، و عيش كسرى، و لباب البرّ، بلعاب النحل، بخالص السمن» ، حتى أتى على آخرهم؛ كل ذلك يقول: «بئس العيش هذا. ليس هذا عيش آل الخطاب. كان ابن الخطاب. يضرب على هذا» .
فلما انقضى كلامه أقبل عليه بعضهم، فقال: «يا أبا سعيد ما أدمك» ؟قال: «يوما لبن، و يوما زيت، و يوما سمن، و يوما تمر، و يوما جبن و يوما قفار، و يوما لحم. عيش آل خطاب» .
ثم قال: قال أبو الأشهب: كان الحسن يشتري لأهله كل يوم بنصف درهم لحما. فإن غلا فبدرهم، فلما حبس عطاؤه كانت مرقته بشحم.
و نبّئت عن رجل من قريش أنه كان يقول: «من لم يحسن يمنع لم يحسن يعطي» و إنه قال لابنه: «أي بني؛ إنك إن أعطيت في غير موضع الإعطاء أوشك أن تستعطي الناس فلا تعطى» . ثم أقبل علينا، فقال: هل علمتم أن اليأس أقلّ من القناعة و أعزّ؟إن الطمع لا يزال طمعا، و صاحب الطمع لا ينتظر لأسباب، و لا يعرف لطمع الكاذب من الصادق. و العيال عيالان: شهوة مفسدة و ضرس طحون [٣] ، و أكل الشهوة أثقل من أكل الضرس؛ و قد زعموا أن العيال سوس المال، و أنه لا مال لذي عيال. و أنا أقول إن الشهوة تبلغ ما لا يبلغ السوس، و تأتي على ما
[١] الشبارقات: ما اقتطع من اللحم و جمع.
[٢] الفالوذجات: الواحد فالوذج: حلواء تصنع من القمح و السمن و العسل.
[٣] ضرس طحون: صاحب الشهوة.