البخلاء - الجاحظ - الصفحة ١٤٨ - أعاجيب ابن عبد الرحمن
و سرف البطنة. و قد قال بعض الحكماء: «إذا كنت بطينا فعدّ نفسك في الزّمني [١] » و قال الأعشى:
«و البطنة مما تسفه الأحلاما»
و اعلم أن الشبع داعية البشم [٢] ، و أن البشم داعية السقم، و أن السقم داعية الموت؛ و من مات هذه الميتة فقد مات ميتة لئيمة، و هو قاتل نفسه و قاتل نفسه ألوم من قاتل غيره. و أعجب إن أردت العجب. و قد قال اللّه جل ذكره: وَ لاََ تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ . و سواء. قتلنا أنفسنا أو قتل بعضنا بعضا كان ذلك للآية تأويلا.
أي بنيّ!إن القاتل و المقتول في النار. لو سألت حذّاق الأطباء لأخبروك أن عامة أهل القبور إنما ماتوا بالتخم. و اعرف خطأ من قال:
«أكلة و موتة» ، و خذ بقول من قال: «ربّ أكلة تمنع أكلات» و قد قال الحسن [٣] : «يا ابن آدم كل في ثلث بطنك، ودع الثلث للتفكّر و التنفس» . و قال بكر بن عبد اللّه المزني [٤] : «ما وجدت طعم العيش حتى استبدلت الخمص [٥] بالكظة، و حتى لم ألبس من ثيابي ما يستخدمني، و حتى لم آكل إلا ما لا اغسل يديّ منه» .
يا بنيّ!و اللّه ما أدري حق الركوع و لا وظيفة السجود ذو كظّة، و لا خشع للّه ذو بطنة. و الصوم مصحّة، و الوجبات عيش الطالحين.
ثم قال: لأمر ما طالت أعمال الهند، و صحّت أبدان الأعراب. فلله
[١] الزمني: نسبة الى زمين، صاحب عاهة ما.
[٢] البشم: التخمة.
[٣] أي الحسن البصري. كان إمام اهل البصرة، وجد الأمة في زمنه. و هو احد العلماء الفقهاء الفصحاء الشجعان النساك.
[٤] احد العلماء التابعين.
[٥] الخمص: الجوع.