البخلاء - الجاحظ - الصفحة ٩١ - قصة أبي محمد الخزامي
و كان يقول: أشتهي اللحم الذي قد تهرّأ، و أشتهي أيضا الذي فيه بعض الصلابة. و قلت له مرة: ما أشبهك بالذي قال: أشتهي لحم دجاجتين. قال: و ما تصنع بذلك القائل؟هو ذا أنا أشتهي لحم دجاجتين: واحدة خلاسيّة مسمّنة، و أخرى خوامزكة [١] رخصة.
و قلت له مرة: قد رضيت بأن يقال: عبد اللّه بخيل؟قال: لا أعدمني اللّه هذا الإسم. قلت: و كيف؟قال: لا يقال فلان بخيل، إلا و هو ذو مال، فسلم إليّ المال، و ادعني بأيّ اسم شئت. قلت: و لا يقال أيضا فلان سخيّ، إلا و هو ذو مال، فقد جمع هذا الإسم الحمد و المال، و اسم البخل يجمع المال و الذم. فقد اخترت أخسّهما و أوضعهما. قال:
و بينهما فرق. قلت: فهاته. قال: في قولهم بخيل تثبيت لإقامة المال في ملكه، و في قولهم: «سخيّ» إخبار عن خروج المال من ملكه. و اسم البخيل اسم فيه حفظ و ذم، و اسم السخيّ اسم فيه تضييع و حمد. و المال زاهر، نافع، مكرم لأهله، معزّ، و الحمد ريح و سخرية، و استماعك له ضعف و فسولة [٢] . و ما أقل غناء الحمد، و اللّه، عنه، إذا جاع بطنه، و عري جلده، و ضاع عياله، و شمت [٣] به من كان يحسده.
و كنا عند داود بن أبي داود بواسط، أيام ولايته كسكر. فأتته من البصرة هدايا فيها زقاق دبس، فقسمها بيننا، فكلنا أخذ ما أعطي غيره.
فأنكرت ذلك من مذهبه، و لم أعرف جهة تدبيره. فقلت للمكيّ: قد علمت أن الحزامي إنما يجزع من الإعطاء و هو عدوّه، فأمّا الأخذ فهو ضالّته و أمنيته. و إنه لو أعطي أفاعي سجستان، و ثعابين مصر، و حيّات الأهواز، لأخذها، إذ كان اسم الأخذ واقعا عليها، فعساه أراد التفضيل
[١] خلاسية و خوامزكة: أنواع من الدجاج.
[٢] فسولة: الفسل: الضعيف الذي لا مروءة له. و الفسولة: الفتور.
[٣] شمت: صار شؤما عليه...