البخلاء - الجاحظ - الصفحة ٩٢ - قصة أبي محمد الخزامي
في القسمة. قال: أنا كاتبه، و صداقتي أقدم، و ما ذلك به. و إن هاهنا أمرا ما نقع عليه.
فلم يلبث أن دخل علينا، فسألته عن ذلك، فتعصّر قليلا. ثم باح بسرّه. قال: و ضيعته أضعاف ربحه، و أخذه عندي من أسباب الأدبار.
قلت: أوّل وضائعه احتمال الشكر.
قال: هذا لم يخطر لي قط على بال. قلت: فهات إذا ما عندك.
قال: أول ذلك كراء [١] الحمّال. ثم هو على خطر حتى يصير الى المنزل. فإذا صار الى المنزل، صار سببا لطلب العصيدة [٢] ، و الأرزة، و البستندود [٣] . فإن بعته فرارا من هذا، صيّرتموني شهرة، و تركتموني عنده آية، و إن أنا حبسته، ذهب في العصائد، و أشباه العصائد، و جذب ذلك شراء السمن، ثم جذب السمن غيره، و صار هذا الدبس أضرّ علينا من العيال.
و إن أنا جعلته نبيذا، احتجت إلى كراء القدور، والى شراء الحبّ [٤] ، و إلى شراء الماء، و إلى كراء من يوقد تحته، و إلى التفرّغ له.
فإن ولّيت ذلك الخادم أسودّ ثوبها، و غرمنا ثمن الأشنان [٥] ، و الصابون، و ازدادت في الطّعم على قدر الزيادة في العمل. فإن فسد، ذهبت النفقة باطلا، و لم نستخلف منها عوضا بوجه من جميع الوجوه. لأن خلّ الداذي يخضب [٦] اللحم، و يغيّر الطعم، و يسوّد المرق، و لا يصلح للاصطباغ.
[١] كراء الحمّال: اجرته.
[٢] العصيدة: طحين يمزج بالسمن و يطبخ.
[٣] البستندود: نوع من الفطائر.
[٤] الحب: الخابية.
[٥] غرمنا ثمن الأشنان: تحملنا كلفة ما تغسل به الايدي من الحمض.
[٦] يخضّب اللحم: يلوّنه.