البخلاء - الجاحظ - الصفحة ٩٠ - قصة أبي محمد الخزامي
و استسلف منه عليّ الأسواري مائة درهم، فجاءني و هو حزين منكسر. فقلت له: إنما يحزن من لا يجد بدا من إسلاف الصديق، مخافة ألا يرجع إليه ماله، و لا يعد ذلك هبة منة. أو رجل يخاف الشكيّة، فهو إن لم يسلف كرما، أسلف خوفا. و هذا باب، الشهرة فيه هي قرّة عينك. و أنا واثق باعتزامك و تصميمك، و بقلّة المبالاة بتبخيل الناس لك، فما وجه انكسارك و اغتمامك؟ قال: اللهم غفرا!ليس ذاك بي إنما بي أني قد كنت أظنّ أن أطماع الناس قد صارت بمعزل عني، و آيسة مني، و أني قد أحكمت هذا الباب و أتقنته، و أودعت قلوبهم اليأس، و قطعت أسباب الخواطر. فأراني واحدا منهم إن من أسباب إفلاس المرء طمع الناس فيه؛ لأنهم إذا طمعوا فيه، احتالوا له الحيل، و نصبوا له الشّرك [١] ، و إذا يئسوا منه فقد أمن. و هذا المذهب من عليّ استضعاف شديد. و ما أشك أني عنده غمر [٢] ، و أني كبعض من يأكل ماله. و هو مع هذا خليط و عشير. و إذا كان مثله لم يعرفني، و لم يتقرر عنده مذهبي، فما ظنّك بالجيران، بل ما ظنك بالمعارف؟أراني أنفتح في غير فحم، و أقدح بزند مصلد [٣] . ما أخوفني أن أكون قد قصد إليّ بقول. ما أخوفني أن يكون اللّه في سمائه قد قصد إلى أن يفقرني.
قال: و يقولون: ثوبك على صاحبك أحسن منه عليك. فما يقولون إن كان أقصر مني، أ ليس يتخبّل في قميصي؟و إن كان طويلا جدا، و أنا قصير جدا، فلبسه، أ ليس يصير آية للسائلين؟فمن أسوأ أثرا على صديقه ممن جعله ضحكة للناس؟ما ينبغي لي أن أكسوه حتى أعلم أنه فيه مثلي. و متى يتفق هذا؟و أنى ذاك محيا و ممات؟
[١] الشّرك: الحيل. مصيدة الصيد.
[٢] غمر: جاهل لم يجرّب الأمور.
[٣] زند مصلد: الذي لا يوري.