الصحيح من سيرة النبي الأعظم صلّى الله عليه وآله - العاملي، السيد جعفر مرتضى - الصفحة ٣١٥ - التوضيح و التطبيق
سلطانها، ثم تعود تدريجا لتتراجع أمام زحف علم أو علوم أخرى لتحتل هي بدورها أيضا مكان الصدارة في البحث و العمق و التحقيق و هكذا، و لكن هذا القرآن العظيم يبقى هو المهيمن في العصور كلها على العلوم و العلماء جميعا، و يدرك الكل أنه فوق مستواهم، و لا تبلغه عقولهم، و لا تناله قدراتهم، و يجدون فيه ما يوجب خضوعهم لعظمته، و يدركون أنه لا يزال فيه ما يعجزون عن إدراكه، و الإحاطة به، فضلا عن مجاراته.
كما أنه مع اختلاف الثقافات، و الاتجاهات، و المستويات على مر العصور؛ فإن الكل يجدون هذا القرآن مطابقا لمقتضى الحال دائما و منسجما معه، و هذا هو الإعجاز حقا! !
و خلاصة الأمر: هذه المئات من السنين تمر، و الأجيال تأتي و تذهب، و الإنسان لا يزال يكتشف المزيد من معارف القرآن، و أسراره، و مراميه، و كلما توصل إلى شيء، فإنه يجد أن هذا القرآن ليس فقط قد جاء بمعارف و مرام لا تتناسب مع عقلية و ثقافة عصر نزوله-الأمر الذي يؤكد على أنه من عند اللّه تعالى-و إنما يتجاوز ذلك كله، ليثبت لكل أحد: أن أغواره لا تزال تحتضن المزيد من المعاني و الأسرار، التي يرى هذا الإنسان نفسه عاجزا عن الوصول إليها و الحصول عليها.
و أكثر من ذلك، فلقد أصبح معروفا: أن الإنسان كلما أعاد قراءة هذا القرآن؛ فإنه يجده جديدا عليه في معانيه و مراميه، و ذلك بسبب اختلاف حالات و توجهات الإنسان، و نوعية الصور الحاضرة آنيا لديه، و الأجواء و الحالات النفسية المهيمنة عليه.
و هذه خصوصية ثابتة في القرآن لا تتغير و لا تتبدل على مر الدهور