الصحيح من سيرة النبي الأعظم صلّى الله عليه وآله - العاملي، السيد جعفر مرتضى - الصفحة ١٠٤ - البحث الثالث
و لكنهم مع ذلك كله، عندما وجدوا الرسالة السماوية الحقة، استطاعت تلك الرسالة، و ذلك الرسول-و في فترة وجيزة جدا-أن تنقل هذه الأمة من حضيض الذل و المهانة إلى أوج العظمة، و العزة و الكرامة، و أن تغير فيها كل عاداتها و مفاهيمها، و تخفف، بل و تقضي على كل أسباب شقائها، و آلامها، و ذلك هو الإعجاز حقا.
نعم. . لقد استطاع الإسلام في فترة لا تتجاوز سنواتها عدد أصابع اليدين أن يحدث انقلابا حقيقيا و جذريا في عقلية و مواقف و سلوك تلك الأمة، و في مفاهيمها، و أن ينقلها من العدم إلى الوجود، و من الموت إلى الحياة.
و لو أن المسيحية و اليهودية و غيرهما من الأديان و المذاهب كان فيها أدنى صلاح، و مع توفر كل الظروف الملائمة لنجاحها في تغيير الأوضاع السيئة-آنذاك-لعبرت عن نفسها، و لأثبتت وجودها، مع أن المسيحية قد كانت في العرب أيضا قبل الإسلام، و كذلك اليهودية، و لكنها لم تستطع أن تغير من عقلية العربي، و سلوكه، و مفاهيمه عن الحياة و المستقبل شيئا، بل بقي يئد البنات، و يشن الغارات، إلى غير ذلك من أفعال و صفات.
بل إنهم ليذكرون: أن القبيلة العربية الفلانية التي كانت تدين بالمسيحية ما كانت تعرف من المسيحية غير شرب الخمر-كما سيأتي-كما أن اليهود قد عاشوا بينهم، و كان العرب يحترمونهم جدا، و يعتبرونهم وحدهم مصدرا للمعرفة و العلم-كما تقدم في الجزء السابق-و لكنهم لم يكن لهم في سلوكهم، و عقليتهم، أثر يذكر.