الصحيح من سيرة النبي الأعظم صلّى الله عليه وآله - العاملي، السيد جعفر مرتضى - الصفحة ١٠٢ - البحث الثالث
بالمعنى الصحيح للكلمة [١]، كما أن الأمطار تقل فيها بشكل ملحوظ، و كل ما كان هناك هو بعض الينابيع، التي كانت تظهر في الشتاء، و تجف في الصيف، فيرحلون عنها بحثا عن غيرها، هذا عدا عن أن الأرض نفسها كان فيها القليل مما يصلح للزراعة.
إذن، فلا شيء يشد العربي إلى هذه الأرض، أو يربطه بها، و يجعله يحبها، و يتفانى في سبيلها، بل كان مصدر حياتهم و رزقهم هو: السيف، و الماشية، و الإبل بصورة عامة.
و لهذا نرى: أن أكثر ما يعز عليهم، و يحتل مكانة في نفوسهم هو هذه الأمور بالذات؛ فنرى الشاعر العربي يتغنى بالجمل، و السيف، و الفرس، و يتغزل بالرياح الطيبة، التي تخفف عنه بعض ما يعانيه من آلام؛ نتيجة حر منطقته، ثم هو يناجي القمر و النجوم كثيرا أيضا.
و إذا ما رأيناه يبكي-أحيانا-الديار و الأطلال، فليس ذلك إلا لأنها كانت في وقت ما مصدر أنس له، أو لأنه هو نفسه كان حضريا.
و لأن العربي هذا قد اتخذ الغزو و السلب وسيلة من وسائل العيش؛ فإننا نراه يهتم بالتغني بمواقفه هذه، و يفتخر باستمرار بشنّه الغارات فرسانا و ركبانا.
و من الجهة الأخرى، فإنه دائما يتوقع أن يغزى، و أن تشن عليه الغارات، و لا يشعر بوجود سلطة تستطيع أن تحميه، فهو في خوف دائم، و رعب مستمر.
[١] راجع: المفصل في تاريخ العرب قبل الإسلام ج ١ ص ١٥٧ فما بعدها.