الصحيح من سيرة النبي الأعظم صلّى الله عليه وآله - العاملي، السيد جعفر مرتضى - الصفحة ١٢٨ - ٨-بقايا الحنيفية في العرب
و الرحمة له؛ و ما ذلك إلا انطلاقا من الناحية التي أشرنا إليها آنفا.
٨-بقايا الحنيفية في العرب:
و بعد، فإن مما ساعد على ذلك أيضا، وجود بقايا الحنيفية-دين إبراهيم كالحج و آدابه-في الجزيرة العربية، و في مكة بالذات؛ لأن العرب، و هم أولاد إسماعيل، قد توارثوا عنه الدين الحق و كانوا يعتزون بذلك، و قد قال اللّه تعالى لهم: مِلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْرٰاهِيمَ. . [١].
و لكنهم على مر السنين بدؤوا يخلطون هذا الحق بكثير من الباطل، شأن سائر الأمم، عندما يغشاها الجهل، و تستبد بها الأهواء، و الانحرافات.
ثم تسرب إليهم الشرك، و عبادة الأوثان، حسبما قدمنا، ثم الكثير من الأمور الباطلة، و الأخلاق الذميمة، و الفواحش، حتى أصبحوا في الجاهلية العمياء، و حتى أدى بهم الأمر إلى الحالة التي وصفها لنا أمير المؤمنين «عليه السلام» فيما تقدم، غير أن بقية منهم-و إن كانت قليلة جدا-قد بقيت متمسكة بعقيدة التوحيد، و ترفض عبادة الأوثان، و تعبد اللّه على حسب ما تراه مناسبا، و قريبا إلى تعاليم دين إبراهيم، مع التزام بعضهم الآخر بدقة بدين الحنيفية، و من هؤلاء عبد المطلب، و أضرابه، من رجالات بني هاشم الأبرار.
و كان من بقايا الحنيفية تعظيم البيت، و الطواف به، و الوقوف بعرفة، و التلبية [٢]و هدي البدن، و إن كانوا يطبقون ذلك مشوها و ممسوخا، و يقحمون
[١] الآية ٧٨ من سورة الحج.
[٢] ذكر اليعقوبي في تاريخه (ط صادر) ج ١ ص ٢٥٤-٢٥٧ تلبيات كل قبيلة، و أعطى نبذة عن شعائرهم في مكة، فمن أراد فليراجع.