الحاشية علی اصول الكافي (العاملي) - العلوي العاملي، السيد أحمد - الصفحة ٩٥ - كتاب العقل والجهل
مَثَلًا مِنْ أَنْفُسِكُمْ»[١] وهو في الحقيقة عبارة عن إيراد مثال جزئيّ محسوس لأمر كلّي معقول، وذلك لأنّ أكثر الأفهام قاصرة عن الوصول إلى ماهيّة الشيء في مادّة محسوسة كمن لا يعرف حقيقة العلم فيقال له: إنّه مثل اللبن؛ لأنّه غذاء للروح يتغذّى به الروح الناقص ويصير به كاملًا، كما يتغذّى باللبن الطفل الناقص ويصير كاملًا، وهو غذاء كلّه لبّ لا قشر له كاللبن لا نخالة فيه كما يمثّل القرآنَ بالحبل المتين، والشرعَ بالقيد.
وبالجملة، مثال الشيء ما إذا نُظر إلى صورته الظاهرة، لم يكن إيّاه، وإذا نظر إلى روح معناه وفحواه، كان هو ذلك الشيءَ، وأكثر ما في القرآن أمثال ضربت للناس ظواهرها حكاية عن حقائقها. قال عزّ من قائل: «وَ تِلْكَ الْأَمْثالُ نَضْرِبُها لِلنَّاسِ وَ ما يَعْقِلُها إِلَّا الْعالِمُونَ»[٢].
والحاصل أنّه لمّا ظهر وجوده تعالى ووحدانيّته المقدّسة بالدلائل القادمة أراد عليه السلام إثباتها من قبيل ضرب الأمثال، وذلك بأن يقال في تفسير هذا الكلام في هذا المقام: إنّ من له مملوك لا يصحّ كونه شريكاً في ماله ولا حرمة له كحرمة مولاه، وما عداه تعالى تحت حيطة قدرته البالغة ومجعول جعله وتأثيره، فكيف يكون شريكاً له في العبوديّة!
هذا مثالٌ، ضرب لنفي شريكه في الإلهيّة والمعبوديّة.
ثمّ إنّ بين المثال والممثّل مشابهة من وجه ومخالفة من وجه بل من وجوه:
أحدها: قوله «مِنْ أَنْفُسِكُمْ» يعني ضرب لكم مثالًا من أنفسكم مع بطلانها في جوهر ذاتها ونقصانها في قوام حقيقتها وحاجتها في حقيقة ماهيّتها إليه تعالى، ومع ذلك قاس ذاته المقدّسة مع كماليّته وتماميّته وفوق تماميّته وغناه عنكم.
وثانيها: قوله «ما مَلَكَتْ أَيْمانُكُمْ»[٣] يعني أيديكم. ولمّا كانت اليد اليمنى أقوى
[١]. الروم( ٣٠): ٢٨.
[٢]. العنكبوت( ٢٩): ٤٣.
[٣]. النساء( ٤): ٣ و آيات اخر.