الحاشية علی اصول الكافي (العاملي) - العلوي العاملي، السيد أحمد - الصفحة ٩٤ - كتاب العقل والجهل
أقول: قال ابن عبّاس: كانوا يكرهون الزنا علانية ويفعلون ذلك سرّاً، فنهاهم اللَّه عنه مطلقاً، علانية وغيرها، ولكن الاولى أنّ صيغة الجمع تتناول كلّ فاحشة، سواء كانت زنا أو غيرها[١].
لعلّ من بطون معناه الكريم- واللَّه- سبحانه أعلم: ولا تميتوا النفس المجرّدة التي حرّم اللَّه موت ذاتها بالجهل، وهو أعظم داهيةً من موت بدنها بهلاك الروح الحيوانيّة إماتةَ الجهالة والغواية[٢].
ثمّ إنّه لمّا بيّن عليه السلام فضيلة العقل وكونه غاية خلقة الإنسان وأنّه تعالى ذكر آيات تدلّ على كون كمال الإنسان بمعرفة الحقّ وتوحيده، ثمّ [إنّ] للجوهر المجرّد الإنساني قوّتين: نظريّة وعمليّة، وكمال الاولى إدارك المعقولات سيّما صفات الواجب الوجود بالذات، وكمال الثانية بتهذيب النفس عن الأخلاق الرديّة والتقدّس عن الشوائب الخسيسة والتحلّي بالصفات والآثار الكماليّة، فأراد عليه السلام أن يشير إلى أنّه كما أنّ غاية الفكر والنظر حصول العقل وتكميل الجزء النظري من العاقل، فكذلك الغرض الأصلي والغاية الذاتيّة في فعل الواجبات وترك المحرّمات أيضاً إنّما هو حصول العقل والعاقل بما هو عاقل لا غير.
وجه آخر: أنّه عليه السلام لمّا ذكر الآيات التي وقع الحثّ فيها للعاقل على النظر ولم يذكر فيها العمل، هناك مظنّة عدم احتياج الإنسان في تكميل ذاته وصيرورته عارفاً باللَّه وآياته إلى أن يعمل الصالحات وترك السيّئات، فأتى عليه السلام بذلك ليعلم أنّ الكمال الإنساني كما يكون بالتحلية والتصوير يكون بالتخلية والتطهير.
قال عليه السلام: وقال: «هَلْ لَكُمْ»[٣]. [ص ١٤ ح ١٢]
أقول: لمّا ذكر الآيات الدالّة على التوحيد، فأراد ضرب المثل فقال: «ضَرَبَ لَكُمْ
[١]. تفسير الرازي، ج ١٣، ص ٢٣٣؛ تفسير الآلوسي، ج ٨، ص ١١٢.
[٢]. شرح المازندراني، ج ١، ص ١١٥ نقلًا عن سيّد الحكماء.
[٣]. الروم( ٣٠): ٢٨.