الحاشية علی اصول الكافي (العاملي) - العلوي العاملي، السيد أحمد - الصفحة ٩٧ - كتاب العقل والجهل
«تَخافُونَهُمْ كَخِيفَتِكُمْ أَنْفُسَكُمْ» وقوله: «وَ كَذلِكَ نُفَصِّلُ الْآياتِ» أينبيّنها بالدلائل والبراهين القطعيّة والأمثلة الخطابيّة الإقناعيّة «لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ»[١] ومقصوده عليه السلام من ذكر هذه الآية التنبيه والإشارة إلى شرف العقل، وانّه مدرك مفصّل الآيات، وأنّه المقصود في الخطاب[٢].
ويحتمل أن يكون إشارة إلى المقاصد والبراهين المذكورة في الآيات السالفة يعني أنّا نفصّل مثل هذه الآيات اللطيفة والبيّنات العظيمة لقوم عقلاء من أهل العلم والمعرفة؛ لأنّهم مشفّعون بها دون غيرهم، فيكون لام «لقوم» للاختصاص.
قال عليه السلام: يا هشام! ثمّ وعظ. [ص ١٤ ح ١٢]
أقول: أياللَّه سبحانه.
اعلم أنّ كمال الجوهر الناطق منوط بأمرين: الإحاطة بالمعلومات، والتنزّه عن التعلّقات، فالزهد عبارة عن قطع التعلّق بالدنيا عن النفس، لا عن قطع الدنيا أو انقطاعها بالموت وشبهه مع بقاء المتعلّق.
وقوله: «ثمّ» وهو للتراخي، يعني أنّه بعد ما أرشد أهل العقل طريقَ العلم ومسلك البرهان، وبيّن لهم سبيل الآيات الدالّة على التوحيد والإيمان، زهّدهم عن الدنيا ورغّبهم في الآخرة بموعظة الخطاب؛ إذ[٣] يكفي الخطابيّات فيما يتعلّق بلواحق ما علم بالبرهانيّات، فقال سبحانه ترغيباً لهم في الآخرة: «وَ مَا الْحَياةُ الدُّنْيا إِلَّا لَعِبٌ وَ لَهْوٌ»[٤].
وهذه مقدّمة خطابيّة استعملت للاستدلال بها على وجوب الرغبة في الآخرة.
ثمّ إنّه لا منافاة بين كونها خطابيّة وبين كونها ثابتة حقّة بحسب الواقع كالجدل، فإنّه مركّب من مقدّمات كلُّها أو بعضها مشهورة، ومع ذلك لا ينافي أن تكون حقّة في أنفسها.
وإنّما قلنا ذلك لأنّ الدنيا باطلة لاحقيقة لها عند كثير من أهل الحكمة لكنّ أكثر
[١]. الروم( ٣٠): ٢٨.
[٢]. راجع: تفسير الرازي، ج ٢٥، ص ١١٨- ١١٩.
[٣]. المخطوط:« إنّ».
[٤]. الأنعام( ٦): ٣٢.