تذكرة الاَعيان - السبحاني، الشيخ جعفر - الصفحة ٥٧
فإذا كان الشارع قد أعلن عن خاتمية الرسالة وكمال الشريعة الاِسلامية، وجب أن تتقارب الخطى والمواقف بين المسلمين، ويقل حدة الخلاف والنقاش بينهم، ويجتمع الكل على مائدة القرآن والسنّة من دون أن يختلفوا في عقائدهم، ولا أن يتشاجروا في تكاليفهم ووظائفهم.
ولكنّنا ـ مع الاَسف ـ نشاهد في حياة المسلمين أمراً خلاف ذلك، بل يضاده، وينادي بأنّالرسول _ صلى الله عليه وآله وسلم _ لم يأت بشريعة كاملة جامعة الاَطراف شاملة لكلّ شيء.
وتلك الحقيقة المرّة والخلافات المتجذرة التي حدثت بين المسلمين بعد وفاة رسول اللّه _ صلى الله عليه وآله وسلم _ بل قبيلها أيضاً.
فقد نشب النزاع بينهم في أبسط المسائل إلى أعقدها، وافترقوا فرقتين أو فرقاً حتى انتهوا إلى سبعين فرقة.
فهذا هو التاريخ يحدّثنا أنّ أوّل نزاع نشب في مرضه (عليه الصلاة والسلام) روى البخاري باسناده عن عبد اللّه بن عباس، قال: لما اشتدّ بالنبيّ مرضه الذي مات فيه، قال: «ائتوني بدواة وقرطاس أكتب لكم كتاباً لا تضلّوا بعدي»، فقال عمر: إنّ رسول اللّه _ صلى الله عليه وآله وسلم _ قد غلبه الوجع، حسبنا كتاب اللّه، وكثر اللغط، فقال النبي _ صلى الله عليه وآله وسلم _ :«قوموا عنّي لا ينبغي عندي التنازع» قال ابن عباس: الرزية كلّالرزية ما حال بين رسول اللّه وبين كتابه.[١]
ولم ينحصر الخلاف في أُخريات حياته، بل ظهر الخلاف أيضاً عند تجهيز جيش أُسامة، حيث إنّه _ صلى الله عليه وآله وسلم _ أمر أُسامة بأن يسير إلى المكان التي سار إليها أبوه من قبل، وجهز له جيشاً وعقد له راية، فتثاقل أكابر الصحابة عن
[١]صحيح البخاري:١|٢٩، باب كتابة العلم؛ وج٤|٦٩، كتاب الجهاد، باب جوائز الوفد؛ وصحيح مسلم:٥|٧٦، كتاب الوصية، باب ترك الوصية.