تذكرة الاَعيان - السبحاني، الشيخ جعفر - الصفحة ١٢٣
وقال سبحانه: (أَمِ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ آلِهَةً قُلْ هاتُوا بُرْهانَكُمْ هذا ذِكْرُ مَنْ مَعِيَ وَذِكْرُ مَنْ قبلِي بَلْ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْلَمُونَ الْحَقَّ فَهُمْ مُعْرِضُونَ).[١]
إنّ ثمة أُصولاً يعتقد بها الاِلهيّون جميعاً، وفي مقدّمتهم المسلمون، لا يمكن للعلوم الطبيعية أن تساعدهم في فهمها ولا أن تهدي إليها البشر. كالبحث في أنّالمصدر لهذا العالم والمبدع له، أزليّ أو حادث، واحد أو كثير، بسيط أو مركب، جامع لجميع صفات الجمال والكمال أو لا؟ هل لعلمه حدّ ينتهي إليه أو لا؟ هل لقدرته نهاية أو لا؟ هل هو أوّل الاَشياء وآخرها أو لا؟هل هو ظاهر الاَشياء وباطنها أو لا؟
فالاعتقاد بهذه المعارف عن طريق العلوم الطبيعيّة والحسّية غير ممكن،والاعتماد على الوحي للتعرّف عليها غير مقدور، لاَنّه يجب معرفتها قبل معرفة الوحي وحامله، فكيف يُتعرَّف عليها عن طريق النبيّ والوحي المنزل عليه.
نرى أنّه سبحانه يذكر الفوَاد إلى جانب السمع والبصر ويقول:
(وَاللّهُ أَخْرَجَكُمْ مِنْ بُطُونِ أُمَّهاتِكُمْ لا تَعْلَمُونَ شَيْئاً وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالاََبْصارَ وَالاََفْئِدَةَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ) .[٢]
والمراد من الشكر في ذيل الآية: صرف النعمة في مواضعها، فشكر السمع والبصر هو إدراك المسموعات والمبصرات بهما، وشكر الفوَاد هو درك المعقولات غير المشهودات به، فالآية تحرّض على استعمال الفوَاد والقلب والعقل في ما هو خارج عن إطار الحسّ وغير واقع في متناول أدواته. ولاَجل أن يتّخذ القرآن في بعض المجالات موقف المعلِّم فيعلّم المجتمعَ البشري كيفية البرهنة العقلية على توحيد الخالقية والتدبير فيقول:
[١]الاَنبياء:٢٤.
[٢]النحل:٧٨.