تذكرة الاَعيان - السبحاني، الشيخ جعفر - الصفحة ١٢٩
لاَنّ فقهاء الاِماميّة وروَساءهم في علم الدين كانوا يستعملون المناظرة، ويدينون بصحّتها، وتلقّى ذلك عنهم الخلف ودانوا به، وقد أشبعت القول في هذا الباب، وذكرت أسماء المعروفين بالنظر وكتبهم ومدائح الاَئمّة لهم في كتابي «الكامل في علوم الدين»، وكتاب «الاَركان في دعائم الدين»، وأنا أروي لك في هذا الوقت حديثاً من جملة ما أوردت في ذلك إن شاء اللّه، ثمّ روى بسنده عن أبي جعفر محمّد ابن النعمان عن أبي عبد اللّه _ عليه السلام_ قال: قال لي: «خاصِمُوهم وبيّنوا لهم الهدى، الذي أنتم عليه، وبيّنوا لهم ضلالهم، وباهلوهم في عليّ عليه السَّلام».[١]
ويظهر من ديباجة كتاب الاحتجاج أنّ هذه الفكرة قد كانت موجودة في عصره أيضاً، ولاَجل ذلك قام بتأليف كتاب الاحتجاج ردّاً عليها، قال:
ثمّ إنّ الذي دعاني إلى تأليف هذا الكتاب، عدول جماعة من الاَصحاب، عن طريق الحجاج جدا، وعن سبيل الجدال وإن كان حقّاً، وقولهم: «إنّ النبيّ صلَّى اللّه عليه و آله و سلَّم والاَئمّة _ عليهم السلام_ لم يجادلوا قطّ، ولا استعملوه ولا للشيعة فيه إجازة، بل نهوهم عنه وعابوه» فرأيت عمل كتاب يحتوي على ذكر جمل من محاوراتهم في الفروع والاَُصول، مع أهل الخلاف وذوي الفضول، قد جادلوا فيها بالحقّ من الكلام، وبلغوا غاية المرام. وانّهم _ عليهم السلام_ إنّما نهوا عن ذلك الضعفاء والمساكين من أهل القصور عن بيان الدين، دون المبرزين في الاحتجاج، الغالبين لاَهل اللجاج، فإنّـهم كانوا مأمورين من قِبَلِهم بمقاومة الخصوم، ومداواة الكلوم، فَعَلَت بذلك منازلهم، وارتفعت درجاتهم وانتشرت فضائلهم.[٢]
[١]الفصول المختارة من العيون والمحاسن: ٢٨٤(للسيد المرتضى، اختارها من كتاب العيون للشيخالمفيد).
[٢]مقدمة الاحتجاج: ١٣. وقد عقد العلاّمة المجلسي باباً في البحار تحت عنوان: ما جاء في تحرير المجادلة والمخاصمة في الدين والنهي عن المراء. راجع البحار، ج٢، ص ١٢٤ حيث نقل فيه ٦١ أثراً.