تذكرة الاَعيان - السبحاني، الشيخ جعفر - الصفحة ١٠٦
ولتجلسوا حتى يعلم من لا يعلم، فانّ العلم لا يهلك حتى يكون سراً.[١]
ومع هذا الاِصرار الموَكَّد من الخليفة حالت رواسب الحظر السابق من جانب الخلفاء الماضين عن قيام ابن حزم بمهمته الملقاة على عاتقه، فلم يكتب شيء من أحاديث النبي إلاّ صحائف غير منظمة ولا مرتبة إلى ان دالت دولة الاَُمويّين وقامت دولة العباسيين وأخذ أبو جعفر المنصور بمقاليد الحكم، فقام المحدّثون عام ١٤٣، بتدوين الحديث، فهذا هو السيوطي يشرح تلك المأساة ويقول: «شرع علماء الاِسلام في هذا العصر في تدوين الحديث والفقه والتفسير فصنّف ابن جريج بمكة، ومالك الموطأ بالمدينة، والاَوزاعي بالشام، ابن أبي عروبة وحماد بن سلمة وغيرهما في البصرة، ومعمر باليمن، وسفيان الثوري بالكوفة وصنّف ابن إسحاق المغازي، وصنّف أبوحنيفة الفقه والرأي ـ إلى أن قالـ: وقبل هذا العصر كان الاَئمّة يتكلّمون من حفظهم أو يروون العلم من صحف صحيحة غير مرتبة.[٢]وقد أدى ذلك التقاعس والتواني إلى أنّه لما تكثرت الفروع بسبب اختلاط المسلمين بغيرهم ولم يجدوا في السنة النبوية نصّاً فيها، مال قسمٌ من العلماء إلى القول بالرأي والاستحسان، فافتوا بآرائهم فيما لا يجدون نصّاً فيه فاشتهروا بأصحاب الرأي والقياس، وكان أكثر أهل العراق من أتباع هذهالمدرسة، كما أنّ أكثر أهل الحجاز كانوا يتجنّبون عنه، وقد روي انّه لما سأل ربيعـة بن عبد الرحمان (المتوفّـى ١٣٦هـ) سعيد بن المسيـب عن علّة الحكم، فأجاب: أعراقي أنت؟[٣]
ولم تكن إحدى الطائفتين أولى من الاَُخرى في أداء الوظيفة، فإذا كان العمل بالرأي والقياس أمراً محظوراً فالتزمّت بالنصوص المحدودة وعدم هداية الاَُمّة إلى
[١]البخاري: الصحيح، كتاب العلم، ج١، ص ٢٧.
[٢]السيوطي: تاريخ الخلفاء: ٢٦١.
[٣]أحمد أمين: فجر الاِسلام: ١|٢٩٠.